اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين

صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج

تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين

وعُلِمَ (¬1) بأَنَّ الاختلافَ (¬2) من آثار الرَّحمة (¬3)، فَمَهما كانَ الاختلافُ أَكثَرَ كانَت الرَّحمة أوفَرَ (¬4)، لما قالُوا (¬5): رَسمُ المُفتي (¬6) أَنَّ ما اتَّفَقَ عليه أَصحابُنا في الرّوايات الظّاهرة (¬7) يُفتَى به قَطعًا.
¬__________
(¬1) (قَولُهُ: وعُلمَ) خَبَرٌ آخَرُ عن قَوله وهذا: أَي وهذا القَولُ عُلمَ منهُ: أَي دَليلُ علمه بأَنَّ الاختلافَ إلَخ ط. وفي بَعض النُّسَخ: وعلمه بالضَّمير، وهو المُناسبُ.
(¬2) (قَولُهُ: بأَنَّ الاختلافَ) أَي بَينَ المُجتَهدينَ في الفُرُوع لا مُطلَق الاختلاف.
(¬3) مَطلَبٌ في حَديث: «اختلافُ أُمَّتي رَحمة»
(قَولُهُ: من آثار الرَّحمة)، فانَّ اختلافَ أَئمّة الهُدَى تَوسعة للنّاس كَما في أَول التَّتارخانيّة، وهذا يُشيرُ إلى الحَديث المَشهُور على أَلسنة النّاس، وهو «اختلافُ أُمَّتي رَحمة»، قال في المَقاصد الحَسَنة: رَواهُ البَيهَقيُّ بسَنَدٍ مُنقَطعٍ عن ابن عَبّاسٍ - رَضيَ الله تَعالى عَنهُما - بلَفظ: قال رَسُولُ اللَّه - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - «مَهما أُوتيتُم من كتاب اللَّه، فالعَمَلُ به لا عُذرَ لأَحَدٍ في تَركه، فان لَم يَكُن في كتاب اللَّه فَسُنّة منّي ماضية، فإن لَم تَكُن سُنّة منّي فَما قال أَصحابي، إنَّ أَصحابي بمَنزلة النُّجُوم في السَّماء، فأيُّما أَخَذتُم به اهتَدَيتُم، واختلافُ أَصحابي لَكُم رَحمة» وأورَدَهُ ابنُ الحاجب في المُختَصَر بلَفظ «اختلافُ أُمَّتي رَحمة للنّاس»، وقال مُنلا عَليّ القاري: إنَّ السُّيُوطيّ قال: أَخرَجَهُ نَصرٌ المَقدسيَّ في الحُجّة والبَيهَقيُّ في الرّسالة الأَشعَريّة بغَير سَنَدٍ، ورَواهُ الحَليميُّ والقاضي حُسَينٌ وإمامُ الحَرَمَين وغَيرُهُم، ولَعَله خُرِّجَ في بَعض كُتُب الحُفّاظ الَّتي لَم تَصل إلَينا. ونَقَلَ السُّيُوطيّ عن عُمَرَ بن عَبد العَزيز أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَرَّني لو أَنَّ أَصحابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ - لَم يَختَلفُوا؛ لأَنَّهُم لو لَم يَختَلفُوا لَم تَكُن رُخصة. وأَخرَجَ الخَطيبُ أَنَّ هارُونَ الرَّشيدَ قال لمالك بن أَنَسٍ: يا أَبا عَبد اللَّه نَكتُبُ هَذه الكُتُبَ يَعني مُؤَلَّفات الإمام مالكٍ ونُفَرّقُها في آفاق الإسلام لنَحملَ عليها الأُمّة، قال: يا أَميرَ المُؤمنينَ، إنَّ اختلافَ العُلَماء رَحمة من اللَّه تَعالى على هَذه الأُمّة، كُلٌّ يَتبَعُ ما صَحَّ عندهُ، وكُلُّهُم على هُدًى، وكُلٌّ يُريدُ اللَّهَ تَعالى، وتَمامُهُ في [كَشف الخَفاء ومُزيل الإلباس] لشَيخ مَشايخنا الشَّيخ إسماعيلَ الجراحيّ.
(¬4) (قَولُهُ: كانَت الرَّحمة أوفَرَ) أَي الإنعامُ أَزيَدَ ط.
(¬5) (قَولُهُ: لَما قالُوا) باللّام: أَي لَما رَواهُ العُلَماءُ في شأن ذلك، وهو الحَديثُ السّابقُ وغَيرُهُ، ويَحتَملُ أَنَّها كافٌ مُعَلَّقة حَرَّفَها النُّسّاخُ أَي كَما قال العُلَماءُ ذلك، ويَحتَملُ أَنَّ جُملة قَوله: رَسمَ المُفتي مَقُولُ القَول ومَحَطُّ التَّعليل على التَّخيير في الإفتاء بالقَولَين المُصَحَّحَين، فإنَّ في ذلك رَحمة وتَوسعة، «ط». رد.
(¬6) مَطلَبُ رَسم المُفتي:
أَي العَلامة الَّتي تَدُلُّ المُفتي على ما يُفتي به، وهو مُبتَدأ، وقَولُهُ: أَنَّ ... إلَخ خَبَرُهُ. قال في [فَتح القَدير]: وقَد استَقَرَّ رأيُ الأُصُوليّينَ على أَنَّ المُفتيَ هو المُجتَهدُ، فأمّا غَيرُ المُجتَهد ممَّن يَحفَظُ أَقوالَ المُجتَهد فَلَيسَ بمُفتٍ، والواجبُ عليه إذا سُئلَ أَن يَذكُرَ قَولَ المُجتَهد كالإمام على وجه الحكاية، فَعُرفَ أَنَّ ما يكون في زَماننا من فَتوى المَوجُودينَ لَيسَ بفَتوى، بَل هو نَقلُ كَلام المُفتي ليأخُذَ به المُستَفتي.
وطَريقُ نَقله لذلك عن المُجتَهد أَحَدُ أَمرَين: إمّا أَن يَكُونَ له سَنَدٌ فيه، أو يأخُذَهُ من كتابٍ مَعرُوفٍ تَداولَتهُ الأَيدي نَحوُ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن ونَحوها؛ لأَنَّهُ بمَنزلة الخَبَر المُتَواتر أو المَشهُور انتَهَى، «ط». رد.
(¬7) اعلَم أَنَّ مَسائلَ أَصحابنا الحَنَفيّة على ثَلاث طَبَقاتٍ أَشَرت إلَيها سابقًا مُلَخَّصةً، ونَظَّمتُها:
الأُولَى: مَسائلُ الأُصُول، وتُسَمَّى ظاهرُ الرِّواية أَيضًا، وهيَ مَسائلُ مَرويّة عن أَصحاب المَذهَب، وهُم أَبُو حَنيفة وأَبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ويَلحَقُ بهم زُفَرُ والحَسَنُ بنُ زيادٍ وغَيرُهُما ممَّن أَخَذَ عن الإمام، لَكنَّ الغالبَ الشّائعَ في ظاهر الرّواية: أَن يَكُونَ قَولُ الثَّلاثة.
وكُتُبُ ظاهر الرّواية كُتُبُ مُحَمَّدٍ السّتّة: «المَبسُوطُ» و «الزّياداتُ» و «الجامعُ الصَّغيرُ» و «السّيَرُ الصَّغيرُ» و «الجامعُ الكَبيرُ» و «السِّير الكَبيرُ»، وإنَّما سُمّيَت بظاهر الرّواية؛ لأَنَّها رُويَت عن مُحَمَّدٍ بروايات الثّقات، فَهيَ ثابتة عنه إمّا مُتَواترة أو مَشهُورة عَنهُ.
الثّانية: مَسائلُ النَّوادر، وهيَ المَرويّة عن أَصحابنا المَذكُورينَ لَكن لا في الكُتُب المَذكُورة، بَل إمّا في كُتُبٍ أُخَرَ لمُحَمَّدٍ كـ «الكيسانيات» و «الهارونيات» و «الجرجانيات» و «الرُّقَيّات»، وإنَّما قيل لَها: غَيرُ ظاهر الرّواية؛ لأَنَّها لَم تُرو عن مُحَمَّدٍ برواياتٍ ظاهرة ثابتة صَحيحة كالكُتُب الأُولَى، وإمّا في غير كُتُب مُحَمَّدٍ كـ «المجرد» للحَسَن بن زيادٍ وغَيره، ومنها كُتُبُ «الأَمالي» المَرويّة عن أَبي يُوسُفَ.
والأَمالي: جَمعُ إملاءٍ، وهو ما يَقُولُهُ العالمُ بما فَتَحَ الله تَعالى عليه من ظَهر قَلبه ويَكتُبُهُ التَّلامذة، وكانَ ذلك عادة السَّلَف.
وإمّا برواية مُفرَدة كَرواية ابن سماعة والمُعلى بن مَنصُورٍ وغَيرهما في مَسائلَ مُعَيَّنة.
الثّالثة: الواقعاتُ، وهيَ مَسائلُ استَنبَطَها المُجتَهدُونَ المُتأخّرُونَ لَمّا سُئلُوا عَنها ولَم يَجدُوا فيها رواية، وهُم أَصحابُ أَبي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وأَصحابُ أَصحابهما، وهَلُمَّ جَرّا، وهُم كَثيرُونَ، فَمن أَصحابهما مثلُ عصام بن يُوسُفَ وابن رُستُمَ ومُحَمَّد بنُ سماعة وأَبي سُلَيمانَ الجُرجانيّ [الصواب: الجوزجاني] وأَبي حَفصٍ البُخاريّ، ومَن بَعدَهُم مثلُ مُحَمَّد بن سَلَمة ومُحَمَّد بن مُقاتلٍ ونُصَير بن يَحيَى وأَبي النَّصر القاسم بن سَلّامٍ.
وقَد يَتَّفقُ لهم أَن يُخالفُوا أَصحابَ المَذهَب لدَلائلَ وأَسبابٍ ظَهَرَت لهم، وأَوَّل كتاب جُمعٍ في فَتواهُم فيما بَلَغَنا كتابُ «النَّوازل» للفَقيه أَبي اللَّيث السَّمَرقَنديّ، ثُمَّ جَمَعَ المَشايخُ بَعدَهُ كُتُبًا أُخَرَ كَـ «مَجمُوع النَّوازل» و «الواقعات» للنّاطفيّ، و «الواقعات» للصَّدر الشَّهيد.
ثُمَّ ذَكَرَ المُتأخّرُونَ هذه المَسائلَ مُختَلطة غَيرَ مُتَمَيّزة كَما في «فَتاوى قاضي خان» و «الخُلاصة» وغَيرهما، ومَيَّزَ بَعضُهُم كما في كتاب «المُحيط» لرَضيّ الدّين السَّرَخسيّ، فإنَّهُ ذَكَرَ أَوّلًا مَسائلَ الأُصُول، ثُمَّ النَّوادرَ، ثُمَّ الفَتاوى، ونعمَ ما فَعَلَ.
واعلَم أَنَّ من كُتُب مَسائل الأُصُول كتابُ «الكافي» للحاكم الشَّهيد، وهو كتابٌ مُعتَمَدٌ في نَقل المَذهَب، شَرَحَهُ جَماعةٌ من المَشايخ، منهُم الإمامُ شَمسُ الأَئمّة السَّرَخسيُّ، وهو المَشهُورُ بـ «مَبسُوط السَّرَخسيّ». قال العَلّامة الطَّرَسُوسيُّ: «مَبسُوطُ السَّرَخسيّ» لا يُعمَلُ بما يُخالفُهُ، ولا يُركَنُ إلّا إليه، ولا يُفتَى ولا يُعَولُ إلّا عليه.
ومن كُتُب المَذهَب أَيضًا «المُنتَقَى» له أَيضًا إلّا أَنَّ فيه بَعضَ النَّوادر.
واعلَم أَنَّ نُسَخَ «المَبسُوط» المَرويّ عن مُحَمَّدٍ مُتَعَدّدة، وأَظهَرُها «مَبسُوطُ أَبي سُلَيمانَ الجُوزَجانيّ».
وشَرَحَ «المَبسُوطَ» جَماعةٌ من المُتأخّرينَ مثلُ: شَيخ الإسلام بَكرٌ المَعرُوفُ بخُواهَر زادَهُ، ويُسَمَّى «المَبسُوطَ الكَبيرَ» وشَمسُ الأَئمّة الحَلوانيُّ وغَيرُهُما، ومَبسُوطاتُهُم شُرُوحٌ في الحَقيقة ذَكَرُوها مُختَلطة بمَبسُوط مُحَمَّدٍ كَما فَعَلَ شُرّاحُ «الجامع الصَّغير» مثلُ فَخر الإسلام وقاضي خان وغَيرهم، فَيُقالُ ذَكَرَهُ قاضي خان في «الجامع الصَّغير»، والمُرادُ شَرحُهُ، وكذا في غيره، اهـ، مُلَخَّصًا من «شَرح البيريّ على الأَشباه» و «شَرح الشَّيخ إسماعيلَ النّابُلُسيّ على شَرح الدُّرَر» فاحفَظ ذلك، فإنَّهُ مُهمٌّ كَحفظ طَبَقات مَشايخ المَذهَب، وسَنَذكُرُها قَريبًا إن شاءَ الله تَعالى.
مَطلَبٌ في طَبَقات المَسائل وكُتُب ظاهر الرّواية:
وفي (كتاب الحَجّ) من «البَحر»: أَنَّ «كافيَ الحاكم» هو جَمعُ كَلام مُحَمَّدٍ في كُتُبه السّتّة الَّتي هي ظاهرُ الرِّواية، وفَسَّرَ في «معراج الدّراية» قُبَيلَ (باب الإحصار) «الأَصلَ» بـ «المَبسُوط».
في (باب العيدَين) من «البَحر» و «النَّهر»: أَنَّ «الجامعَ الصَّغيرَ» صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ بَعدَ «الأَصل»، فَما فيه هو المُعَولُ عليه، ثُمَّ قال في «النَّهر»: سُمّيَ «الأَصل» أَصلًا؛ لأَنَّهُ صُنّفَ أَولًا، ثُمَّ «الجامعُ الصَّغيرُ»، ثُمَّ «الكَبيرُ»، ثُمَّ «الزّياداتُ»، كَذا في «غاية البَيان». اهـ.
وذَكَرَ الإمامُ شَمسُ الأَئمّة السَّرَخسيُّ في أَوّل شَرحه على «السّيَر الكَبير» أَنَّ «السّيَرَ الكَبيرَ» هو آخرُ تَصنيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ في الفقه.
وفي «شَرح المُنية» لابن أَمير الحاجّ الحَلَبيّ في (بَحث التَّسميع): أَنَّ مُحَمَّدًا قَرأ أَكثَرَ الكُتُب على أَبي يُوسُفَ، إلّا ما كانَ فيه اسمُ الكَبير، فإنَّهُ من تَصنيف مُحَمَّدٍ: كـ «المُضارَبة الكَبير» و «المُزارَعة الكَبير» و «المأذُون الكَبير» و «الجامع الكَبير» و «السّيَر الكَبير»، وتَمامُ هَذه الأَبحاث في مَنظُومَتنا في «رَسم المُفتي» وفي شَرحها.
[تَتمّة:]
قَدَّمنا عن «فَتح القَدير» كَيفيّة الإفتاء ممّا في الكُتُب، فَلا يَجُوزُ الإفتاءُ ممّا في الكُتُب الغَريبة.
وفي «شَرح الأَشباه» لشَيخنا المُحَقّق هبة اللَّه البَعليّ، قال شَيخُنا العَلّامة صالحُ الجينينيُّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ الإفتاءُ من الكُتُب المُختَصَرة كـ «النَّهر» و «شَرح الكَنز» للعَينيّ و «الدُّرّ المُختار شَرح تَنوير الأَبصار»، أو لعَدَم الاطّلاع على حال مُؤَلّفيها كَـ «شَرح الكَنز» لمُنلا مسكينٍ، و «شَرح النُّقاية» للقُهُستانيّ، أو لنَقل الأَقوال الضَّعيفة فيها كـ «القُنية» للزّاهديّ، فَلا يَجُوزُ الإفتاءُ من هذه، إلّا إذا عَلمَ المَنقُولَ عنه وأَخذَهُ منه، هَكَذا سَمعته منه، وهو عَلّامةٌ في الفقه، مَشهُورٌ، والعُهدة عليه. اهـ.
أَقُولُ: ويَنبَغي إلحاقُ «الأَشباه والنَّظائر» بها، فإنَّ فيها من الإيجاز في التَّعبير ما لا يُفهَمُ مَعناهُ إلّا بَعدَ الاطّلاع على مأخَذه، بَل فيها في مَواضعَ كَثيرة الإيجازُ المُخلُّ، يَظهَرُ ذلك لمَن مارَسَ مُطالَعَتَها مَعَ الحَواشي، فَلا يأمَنُ المُفتي من الوُقُوع في الغَلَط إذا اقتَصَرَ عليها، فَلا بُدَّ له من مُراجَعة ما كُتبَ عليها من الحَواشي أو غَيرها.
ورأيت في «حاشية أَبي السُّعُود الأَزهَريّ على شَرح مُنلا مسكينٍ»: أَنَّهُ لا يَعتَمدُ على «فَتاوى ابن نُجَيمٍ» ولا على «فَتاوى الطُّوريّ». رد.
المجلد
العرض
81%
تسللي / 84