اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب الآثار - مسند ابن عباس

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري
تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري
٧٠٣ - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَهْ، صَلَّيْتَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، وَخَلْفَ عُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ ﵃، فَهَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَنَتَ؟ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، هِيَ مُحْدَثَةٌ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: صَحَّ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَنَتَ يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ مُدَّةً، إِمَّا شَهْرًا، وَإِمَّا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فِي كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثُمَّ تَرَكَ فِعْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَثَبَتَ قُنُوتُهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَصَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَرَوَى أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْنُتُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَخْبَارِ عِنْدَنَا صَحِيحٌ، فَالْقُنُوتُ إِذَا نَابَتِ الْمُسْلِمِينَ نَائِبَةٌ، أَوْ نَزَلَتْ بِهِمْ نَازِلَةٌ، نَظِيرَةُ النَّائِبَةِ وَالنَّازِلَةِ الَّتِي نَابَتْ وَنَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ بِمُصَابِهِمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ وَأَعَانَ قَاتِلِيهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فِي كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ، إِلَى أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ عَنْهُمُ النَّازِلَةَ الَّتِي نَزَلَتْ، إِمَّا بِالظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمُ الَّذِي كَانَ مِنْ قِبَلِهِمُ النَّازِلَةُ، وَإِمَّا بِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ⦗٣٨٦⦘، أَوْ بِاسْتِسْلَامِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفَرَجُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكْرُوهِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ النَّائِبَةُ وَالنَّازِلَةُ سَبَبًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِلَى أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، قُنُوتَهُ عَلَى كُفَّارِ مُضَرَ شَهْرًا، وَذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّبِيِّ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ؟ فَقِيلَ لِي: أَوَمَا تُرَاهُمْ قَدْ جَاءُوا - يَعْنِي أَنَّ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عَلَيْهِمْ - قَدْ جَاءُوا مُسْلِمَيْنِ. فَالْقُنُوتُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَائِبَةٌ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ، وَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ حَسَنٌ جَمِيلٌ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُنُوتِهِ كَذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْنَا قُنُوتَهُ لَهُ. وَلَسْنَا وَإِنْ رَأَيْنَا ذَلِكَ حَسَنًا جَمِيلًا، بِمُوجِبَينَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ إِعَادَةَ صَلَاتِهِ الَّتِي تَرَكَ ذَلِكَ فِيهَا، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ، عَامِدًا كَانَ تَرَكُهُ ذَلِكَ أَوْ سَاهِيًا. وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ سَلَفِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهِمْ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ غَيْرُ مُفْسِدٍ صَلَاةَ مُصَلٍّ، وَأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي، عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ بَدَلًا مِنْ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلُهَا فِي صَلَاتِهِ فَعَمِلَهَا، فَتَرْكُ الْقُنُوتِ فِيهَا خَارِجٌ مِنْ كُلِّ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الْبَدَلِ مِنْهُ ⦗٣٨٧⦘، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَدْعُو الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْقُنُوتِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، إِمَّا لِنَائِبَةٍ أَوْ نَازِلَةٍ بِهِمْ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، فَتَرْكُ الْقُنُوتِ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، خَلَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، هُوَ الْحَقُّ. وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَرَكَ الْقُنُوتَ الَّذِي كَانَ يَقْنُتُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، بَعْدَ دُخُولِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانَ يَقْنُتُ عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ فِيمَا ذَكَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِيهَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ دُعَاءَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى غَيْرِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَتَرَكَ الْقُنُوتَ وَالدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّكَ قَدْ صَحَّحْتَ حَدِيثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقُلْتَ بِهِ فِي جَوَازِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَتَرَكْتَ الْقَوْلَ بِخَبَرِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ الْأَشْجَعِيِّ، مَعَ قَوْلِكَ بِتَصْحِيحِهِ، وَخِلَافِ خَبَرِهِ خَبَرَ أَنَسٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي ظَنَنْتَ، بَلْ نَحْنُ قَائِلُونَ بِتَصْحِيحِهِمَا وَتَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِمَا، فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ تَكُونُ مُصَحِّحًا لَهُمَا وَلِلْعَمَلِ بِهِمَا، وَأَحَدُهُمَا يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا يُخْبِرُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ قَنَتَ، وَكِلَاهُمَا قَدْ صَلَّى مَعَهُ؟ قِيلَ: إِنَّا لَمْ نَقُلْ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقُنُوتِ فِي كُلِّ صَلَاةِ صُبْحٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: الْقُنُوتُ فِيهَا حَسَنٌ، فَإِنْ قَنَتَ فِيهَا قَانِتٌ فَبِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمِلَ، وَإِنْ تَرَكَ ⦗٣٨٨⦘ ذَلِكَ تَارِكٌ، فَبِرُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِيهَا أَحْيَانًا، وَيَتْرُكُ الْقُنُوتَ فِيهَا أَحْيَانًا، فَأَخْبَرَ أَنَسٌ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِيهَا، عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ يَعْهَدْهُ مِنْ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ بِالْقُنُوتِ فِيهَا مَرَّةً، وَتَرْكِ الْقُنُوتِ فِيهَا أُخْرَى، مُعْلِمًا بِذَلِكَ أُمَّتَهُ أَنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءُوا وَعَمِلُوا بِهِ، وَأَخْبَرَ طَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ فَلَمْ يَرَهُ قَنَتَ، وَغَيْرُ مُنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ صَلَّى خَلْفَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَمْ يَقْنُتْ فِيهَا فِي صَلَاتِهِ، فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِمَا رَأَى وَشَاهَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَمْ أَرِ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ، بِحُجَّةٍ يَدْفَعُ بِهَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُهُ قَنَتَ، وَلَاسِيَّمَا وَالْقُنُوتُ أَمْرٌ مُخَيَّرٌ الْمُصَلِّي فِيهِ وَفِي تَرْكِهِ، كَالَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَمَلِهِ بِهِ أَحْيَانًا، وَتَرْكِهِ إِيَّاهُ أَحْيَانًا، تَعْلِيمًا مِنْهُ أُمَّتَهُ ﷺ سَبِيلَ الصَّوَابِ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِهِ: «لَمْ أَرْ رَسُولَ اللَّهِ قَنَتَ» دَافِعًا قَوْلَ مَنْ قَالَ: «رَأَيْتُهُ يَقْنُتُ»، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَمْ أَرَهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، دَافِعًا قَوْلَ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَهُمَا. وَكَذَلِكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا حُكِيَ عَنْهُ مِنَ اخْتِلَافٍ كَانَ يَكُونُ مِنْهُ فِي صَلَاتِهِ، مِمَّا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا مِنْهُ أُمَّتَهُ فِي أَنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِهِ وَتَرْكِهِ، غَيْرَ جَائِزٍ الْعَمَلُ إِلَّا بِأَحَدِهِمَا، وَفِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَحَالِ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مُفْسِدٍ صَلَاةَ الْمُصَلِّي، وَلَا تَرْكُهُ مُوجِبٌ عَلَيْهِ قَضَاءً وَلَا بَدَلًا مِنْهُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُهُ أَحْيَانًا فِي صَلَاتِهِ وَيَتْرُكَهُ أَحْيَانًا ⦗٣٨٩⦘. وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي الْقُنُوتِ، إِذْ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَتْرُكَهُ أَحْيَانًا، مُعْلِمًا بِذَلِكَ أُمَّتَهُ أَنَّهُمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالتَّرْكِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّ سَبِيلَ الِاخْتِلَافِ عَنْهُمْ فِيهِ، سَبِيلُ الِاخْتِلَافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ أَحْيَانًا عَلَى مَا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَأَحْيَانًا يَتْرُكُونَ الْقُنُوتَ عَلَى مَا عَهِدُوهُ يَتْرُكُ، فَيَشْهَدُ قُنُوتَهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي يَقْنُتُونَ فِيهَا قَوْمٌ، فَيَرْوُونَ عَنْهُمْ مَا رَأَوْا مِنْ فِعْلِهِمْ، وَيَشْهَدُهُمْ آخَرُونَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَقْنُتُونَ فِيهَا، فَيَرْوُونَ عَنْهُمْ مَا رَأَوْا مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ مُحِقٌّ صَادِقٌ
385
المجلد
العرض
92%
الصفحة
385
(تسللي: 767)