الركن الخامس - المؤلف
الشمس ويدرك جزءًا من الوقت بعد الغروب ولو لحظة لطيفة منه، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه واستحب له أن يجبر هذا التقصير بدم في أصح قولي إمامنا الشافعي ﵀، وهو المفتى به، وخروجًا من خلاف من أوجبه (١).
ولو وقف في جزء من الليل دون النهار صح وقوفه وحجه أيضًا.
أما لو وقف بعد الفجر نهار اليوم التاسع ودفع من عرفات قبل الزوال فوقوفه وحجه باطل ما لم يعد إلى عرفات في الزمن الممتد من زوال شمس اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر (٢).
_________
(١) أوجب الحنفية في اجتهاد مذهبهم إدراك جزء من الليل ولو للحظة منه تأسيًا برسول الله - ﷺ - الذي وقف ودفع من عرفة بعد الغروب والذي جاء عنه فيما رواه لنا الشافعي في مسنده ج ١ - ص ٢٥٥: "خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: أما بعد فإن أهل الشرك كانوا يدفعون من هذا الوضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال وإنا ندفع بعد أن تغيب" قالوا: فإن دفع قبل الغروب فعليه دم حتى لو نفر قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب فعليه دم لكنه إذا عاد قبل الغروب فلا دم عليه أما المالكية فوقت الوقوف عندهم هو الليل فمن لم يقف جزءًا من الليل عندهم لم يجز وقوفه وحجه باطل وعليه العود للحج من قابل، أما الوقوف نهارًا فواجب عند المالكية لو تركه عمدًا بغير عذر فعليه دم جبرًا للخلل. والخلاصة أنه لا يصح عند مالك الوقوف نهارًا بل لا بدّ من الوقوف في جزء من الليل بقدر الجلسة بين السجدتين قائمًا أو راكبًا أو جالسًا أو محمولًا في عرفات عالمًا بها أو جاهلًا نائمًا أو مفيقًا فإن اقتصر على الليل كفاه.
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ٣ - ص ٣٤١ - ٣٤٢ - والفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي ج ٣ ص ٢٢٣٥ - ٢٢٣٧ والحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص ٦٦ - ٦٩ - وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للعلامة الشيخ الفيلسوف الإسلامي محمد بن رشد القرطبي ج ١ - ص ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) مذهب الحنبلية أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة وقد استدلوا على ذلك بحديث ابن مُضَرس السابق "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا" فقالوا: قوله: نهارًا يدخل فيه كل أجزاء النهار بما في ذلك الوقت الممتد من طلوع الفجر إلى زوال الشمس في منتصف النهار فيكون ابتداء الزمن المجزئ للوقوف من طلوع الفجر الصادق لذلك اليوم وقد أُجيب عن استدلالهم هذا بفعل رسول الله - ﷺ - الذي وصل عرفة قبل الزوال فمكث وانتظر وكان بامكانه أن يدخل منذ لحظة وصوله ﵇ فهذا فعل يقيد إطلاق الحديث ويفسره.
أقول وربما أجابوا بأنه - ﷺ - فعل السنة مع إجزاء ذلك قبل الزوال لكن يجاب بأنه - ﷺ - لم يدفع أحدًا قبل ذلك على سبيل الترخص فدلّ على ما قاله الجمهور.
والنتيجة أن الوقوف الذي لا يختلف في صحته هو الذي يدرك به صاحبه جزءًا من النهار قبل الغروب وجزءًا منه بعد الغروب فهذا صحيح باتفاق المذاهب ولموافقته للسنة والخروجُ من الخلاف هو الذي يطمئن له القلب يقينًا خصوصًا عندما يكون أكثر العلماء على اجتهاد يخالف اجتهاد البعض ثم يأتي فعل رسول الله - ﷺ - دون أن يستقيم معه اجتهاد هؤلاء البعض، هذا والله تعالى أعلم.
ولو وقف في جزء من الليل دون النهار صح وقوفه وحجه أيضًا.
أما لو وقف بعد الفجر نهار اليوم التاسع ودفع من عرفات قبل الزوال فوقوفه وحجه باطل ما لم يعد إلى عرفات في الزمن الممتد من زوال شمس اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر (٢).
_________
(١) أوجب الحنفية في اجتهاد مذهبهم إدراك جزء من الليل ولو للحظة منه تأسيًا برسول الله - ﷺ - الذي وقف ودفع من عرفة بعد الغروب والذي جاء عنه فيما رواه لنا الشافعي في مسنده ج ١ - ص ٢٥٥: "خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: أما بعد فإن أهل الشرك كانوا يدفعون من هذا الوضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال وإنا ندفع بعد أن تغيب" قالوا: فإن دفع قبل الغروب فعليه دم حتى لو نفر قبل الغروب ثم عاد بعد الغروب فعليه دم لكنه إذا عاد قبل الغروب فلا دم عليه أما المالكية فوقت الوقوف عندهم هو الليل فمن لم يقف جزءًا من الليل عندهم لم يجز وقوفه وحجه باطل وعليه العود للحج من قابل، أما الوقوف نهارًا فواجب عند المالكية لو تركه عمدًا بغير عذر فعليه دم جبرًا للخلل. والخلاصة أنه لا يصح عند مالك الوقوف نهارًا بل لا بدّ من الوقوف في جزء من الليل بقدر الجلسة بين السجدتين قائمًا أو راكبًا أو جالسًا أو محمولًا في عرفات عالمًا بها أو جاهلًا نائمًا أو مفيقًا فإن اقتصر على الليل كفاه.
اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ٣ - ص ٣٤١ - ٣٤٢ - والفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي ج ٣ ص ٢٢٣٥ - ٢٢٣٧ والحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص ٦٦ - ٦٩ - وبداية المجتهد ونهاية المقتصد للعلامة الشيخ الفيلسوف الإسلامي محمد بن رشد القرطبي ج ١ - ص ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) مذهب الحنبلية أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة وقد استدلوا على ذلك بحديث ابن مُضَرس السابق "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا" فقالوا: قوله: نهارًا يدخل فيه كل أجزاء النهار بما في ذلك الوقت الممتد من طلوع الفجر إلى زوال الشمس في منتصف النهار فيكون ابتداء الزمن المجزئ للوقوف من طلوع الفجر الصادق لذلك اليوم وقد أُجيب عن استدلالهم هذا بفعل رسول الله - ﷺ - الذي وصل عرفة قبل الزوال فمكث وانتظر وكان بامكانه أن يدخل منذ لحظة وصوله ﵇ فهذا فعل يقيد إطلاق الحديث ويفسره.
أقول وربما أجابوا بأنه - ﷺ - فعل السنة مع إجزاء ذلك قبل الزوال لكن يجاب بأنه - ﷺ - لم يدفع أحدًا قبل ذلك على سبيل الترخص فدلّ على ما قاله الجمهور.
والنتيجة أن الوقوف الذي لا يختلف في صحته هو الذي يدرك به صاحبه جزءًا من النهار قبل الغروب وجزءًا منه بعد الغروب فهذا صحيح باتفاق المذاهب ولموافقته للسنة والخروجُ من الخلاف هو الذي يطمئن له القلب يقينًا خصوصًا عندما يكون أكثر العلماء على اجتهاد يخالف اجتهاد البعض ثم يأتي فعل رسول الله - ﷺ - دون أن يستقيم معه اجتهاد هؤلاء البعض، هذا والله تعالى أعلم.
344