ترتيب الفروق واختصارها - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري
نعَم، قال: فما لونُها؟، قال: بِيض، قال: هَلْ فيها من أوْرقَ؟، قال: نعَمْ، قال: فمن أين ذلك الأوْرقُ؟ قال: لعله نزْعُ عِرْقٍ، فقال ﵇: كذلك هُنَا ..، (٣٠) يُشير إلى أن صِفة الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء. فياتي الولدُ يشبه
_________
ويكفي هذا الشاعرَ الإسلامي شرَفًا واعتزازًا بإسلامه وشعره ما رُوي أن النبي - ﷺ - قال في حقه: أصْدَقُ كلمةٍ قالها لبيدٌ (وهي الشَّطر الأولِ):
"ألَّا كلّ شيء ما خَلا اللهَ باطلٌ" ... وكل نعيم لا محالةَ زائل
وكل امرئ يوما سيعلَم سعيَه ... إذا كُشِفَتْ عند الالاه الحصائلُ
وكأني به يشير في هذا البيت الأخير إلى قوله تعالى في سورة العاديات في شأن الانسان وتذكيره بالبعث والنشور: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ٩، ١٠، ١١.
ومن ذلك قول شاعر النيل حافظ ابراهيم ﵀ في قصيدته الشهيرة التي تحدَّثَ فيها على لسان اللغة العربية، ومخاطبًا فيها أبناء لغة الضاد:
أيُطْرِبُكُم من جانب الغرب ناعبٌ ... ينادِي بوَأدي في ربيع حياتي
ولو تزجرون الطير يوما علمتمو ... بما تحته من عثرة وشَتَاتِ
سقى الله في بطن الجزيرة أعظمًا ... يعز عليها أن تلين قناتي
والبيتُ الذي اتيت به في قصيدة لبيد شاهدا ومنطلقا لهذا التعليق في موضوع زجر الطير عند العرب في الجاهلية قبل الاسلام يعتبر أيضا من شواهد النحاة في أفعال الرجحان، في باب ظَنَّ وأخواتها فيما يتعلق بإلغائها عن العمل أو تَعْلِيقِها عنه (أيْ عن نصب المفعولين إذا كان فعْل منِها مسبوقا باستفهام أو لامِ ابتداءٍ او قسَم، أو نفْي بما أوإن أوْلَا، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾. وإلى هذه القاعدة أشار العلامة محمد بن مالك ﵀ في ألفيته النحوية المشهورة، فقال:
"وجوّز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشأن أو لامَ ابتدا
في موهِمٍ إلغَاءَ ما تقَدَّما ... والتزَم التعليق قبل نفي ما
وإن، ولا، لامِ ابتداءٍ أو قسَم ... كذا، والاستفهامُ ذا، لهُ انحتَمَ
(٣٠) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، ونصُّ الحديث بتمامه عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من بني فَزارة إلى النبي - ﷺ - فقال: إن امرأتي ولدتْ غلامًا اسوَدَ، فقال: هل لك من ابِلٍ؟، قال نعَمْ، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ، قال: هل فيها من أوْرقَ؟ (أي هل فيها بعير في لونه بياض) قال: إن فيها لَوُرْقًا (جمع أوْرق)، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسَى أن يكون نَزَعَهُ عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعَهُ عِرْق" (أي جذَبَه لوْنٌ كان في واحدِ من أصوله، وهذا كذلك. فمخالفة اللون لا تدل على أن الولدَ من الزنَى، فربَّما كان لونه في أحد أصوله وهذا كذلك. وفي المثَل: العِرْق نزَّاعٌ، فينبغى تحسين الظن في مثل هذه الحالة والأمرِ، عملا بالحديث: "إدْرءوا الحدرد بالشُّبُهات". اللهم الا إذا قويت الشبهة أو تحققت التهمة
_________
ويكفي هذا الشاعرَ الإسلامي شرَفًا واعتزازًا بإسلامه وشعره ما رُوي أن النبي - ﷺ - قال في حقه: أصْدَقُ كلمةٍ قالها لبيدٌ (وهي الشَّطر الأولِ):
"ألَّا كلّ شيء ما خَلا اللهَ باطلٌ" ... وكل نعيم لا محالةَ زائل
وكل امرئ يوما سيعلَم سعيَه ... إذا كُشِفَتْ عند الالاه الحصائلُ
وكأني به يشير في هذا البيت الأخير إلى قوله تعالى في سورة العاديات في شأن الانسان وتذكيره بالبعث والنشور: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ٩، ١٠، ١١.
ومن ذلك قول شاعر النيل حافظ ابراهيم ﵀ في قصيدته الشهيرة التي تحدَّثَ فيها على لسان اللغة العربية، ومخاطبًا فيها أبناء لغة الضاد:
أيُطْرِبُكُم من جانب الغرب ناعبٌ ... ينادِي بوَأدي في ربيع حياتي
ولو تزجرون الطير يوما علمتمو ... بما تحته من عثرة وشَتَاتِ
سقى الله في بطن الجزيرة أعظمًا ... يعز عليها أن تلين قناتي
والبيتُ الذي اتيت به في قصيدة لبيد شاهدا ومنطلقا لهذا التعليق في موضوع زجر الطير عند العرب في الجاهلية قبل الاسلام يعتبر أيضا من شواهد النحاة في أفعال الرجحان، في باب ظَنَّ وأخواتها فيما يتعلق بإلغائها عن العمل أو تَعْلِيقِها عنه (أيْ عن نصب المفعولين إذا كان فعْل منِها مسبوقا باستفهام أو لامِ ابتداءٍ او قسَم، أو نفْي بما أوإن أوْلَا، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾. وإلى هذه القاعدة أشار العلامة محمد بن مالك ﵀ في ألفيته النحوية المشهورة، فقال:
"وجوّز الإلغاء لا في الابتدا ... وانو ضمير الشأن أو لامَ ابتدا
في موهِمٍ إلغَاءَ ما تقَدَّما ... والتزَم التعليق قبل نفي ما
وإن، ولا، لامِ ابتداءٍ أو قسَم ... كذا، والاستفهامُ ذا، لهُ انحتَمَ
(٣٠) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، ونصُّ الحديث بتمامه عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رجلٌ من بني فَزارة إلى النبي - ﷺ - فقال: إن امرأتي ولدتْ غلامًا اسوَدَ، فقال: هل لك من ابِلٍ؟، قال نعَمْ، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ، قال: هل فيها من أوْرقَ؟ (أي هل فيها بعير في لونه بياض) قال: إن فيها لَوُرْقًا (جمع أوْرق)، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسَى أن يكون نَزَعَهُ عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعَهُ عِرْق" (أي جذَبَه لوْنٌ كان في واحدِ من أصوله، وهذا كذلك. فمخالفة اللون لا تدل على أن الولدَ من الزنَى، فربَّما كان لونه في أحد أصوله وهذا كذلك. وفي المثَل: العِرْق نزَّاعٌ، فينبغى تحسين الظن في مثل هذه الحالة والأمرِ، عملا بالحديث: "إدْرءوا الحدرد بالشُّبُهات". اللهم الا إذا قويت الشبهة أو تحققت التهمة
37