الفرقان لاختصار منافل العرفان في علوم القرآن - صلاح أبو الحاج
المبحث الثامن في جمع القرآن وتاريخه
الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم، ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.
أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فبلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشدّ حالات حرجه وشدّته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك استعجالاً لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربُّه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له - عز وجل -: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة:16 - 19]، وقال له: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)} [طه:114].
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «والحاصل: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لشدة رغبته في حفظ القرآن، وحرصه على أن لا يضيع شيء منه، كان إذا نزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن، يكرر ويردد ما يلقيه إليه قبل تمامه وكماله، خشية نسيان شيء منه، فأمره الله - عز وجل - بأن يستمع لما يلقيه، وينصت له، ولا يشتغل بالحفظ والتكرار، ويكفل له بأن لا يضيع ولا يذهب شيء منه، وأنه إذا فرغ جبريل - عليه السلام - من الإلقاء يجمع له في صدره، وينطق به لسانه على أحسن وجه وأتمه، ولا ينسيه منه شيئاً إلا ما شاء أن ينسيه إياه».
ومن هنا كان جامع القرآن في قلبه الشريف، وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه، وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرّةً، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين، قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما:
¬__________
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 147.
أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فبلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشدّ حالات حرجه وشدّته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك استعجالاً لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربُّه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له - عز وجل -: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة:16 - 19]، وقال له: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)} [طه:114].
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «والحاصل: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لشدة رغبته في حفظ القرآن، وحرصه على أن لا يضيع شيء منه، كان إذا نزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن، يكرر ويردد ما يلقيه إليه قبل تمامه وكماله، خشية نسيان شيء منه، فأمره الله - عز وجل - بأن يستمع لما يلقيه، وينصت له، ولا يشتغل بالحفظ والتكرار، ويكفل له بأن لا يضيع ولا يذهب شيء منه، وأنه إذا فرغ جبريل - عليه السلام - من الإلقاء يجمع له في صدره، وينطق به لسانه على أحسن وجه وأتمه، ولا ينسيه منه شيئاً إلا ما شاء أن ينسيه إياه».
ومن هنا كان جامع القرآن في قلبه الشريف، وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه، وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرّةً، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين، قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما:
¬__________
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 147.