اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

المحرر الوجيز فيما يبتغية المستجيز

محمد زاهد الكوثري
المحرر الوجيز فيما يبتغية المستجيز - محمد زاهد الكوثري

التحير الوجيز فيما يبتغية المستجيز

قال الأستاذ: «فشوَّشَ كلامُهُ خاطري بعض تشويش، وفي مثل هذه الحالة النفسية كنتُ زُرتُ أستاذي مستأذناً مسترشدا، بدون أن افَاتِحَه بشيء مما أقلَقَ فكري من تلك الوساوس، فقال لي الأستاذ الكبير:
اسْعَ جُهدَك في تحقيق دَرْسِك من كل مَصْدَر، واهتم بالتفكير في أحسن طريق في إيصال تحقيقك إلى أذهان الطلبة قَدْرَ اهتمامك بتحقيق الدرس، لأن صوغ الإلقاء في قالب متزنٍ مُسْتَسَاعَ، عليه مدار استفادة الطلبة كما يجب، ثم لا تُبال بكثرة الطلبة أو قِلَّتها أصلاً، لأنَّ بركةَ نشرِ العلم تَحصُلُ بالقليل إذا شاء الله سبحانه، وربما لا يَحصُلُ أَيُّ نشرِ للعلم من الجماعة الكثيرة، إذا لم يُبارك الله في علومهم، إذ أن بركَةً العلم إلى الله سبحانه وإنما عليك السعي في العلم جُهد الطاقة الإخلاص، وما سِوَى ذلك ليس إليك.
ثم إياك أن تشتغل بترفيه طلبتك من ناحية السَّكَنِ أو المعيشة أو نحوهما، لأنَّ ذلك مما لا آخِرَ له ومما لا قِبَلَ لك به، ولأنَّ الدرهم لا يَدخُلُ محلاً إلا ويَخْرُجُ منه الإخلاص، فلْيَقْصِدك من يَقْصِدُ العلم فقط واحداً كانَ أو ألفاً، وإياك أن يُفسِدَ عليك إخلاصك في العلم مَقْصِدُ دنيوي.
ثم إنَّ العالِمَ الجديد إذا أجهَدَ نفسَه صباح مساء بإلقاء الدرس والاستعداد للدرس انتَهَكَتْ قُواه، فلا بُدَّ من تدارُكِ ذلك بحسن التغذية الجسميةِ، بشُرب قَدْرِ رِطْل من الحليب صباحاً، ممزوجاً بمُحَةِ بَيْض [4] / مُسْتَمَرَأة، وبأكل نحوِ رُبع أُمَّةِ لَحْمٍ ضَأْنِي مَشْوِي غَداءً».
وبعد أن حكى أستاذنا نصيحة أستاذه هكذا، قال: هذه وصية أستاذي فيمن يبتدى في التدريس، ولا أزِيدُ عليها كلمةً، وقد كانت كلمتُهُ أزالَتْ من نفسي ما كان يُساورني من القَلَقِ، من كلام ذلك الصديق، وخرجت من عند الأستاذ بعد هذه النصيحة وقد أصبَحَتْ كَثرَةُ الجماعة وقلتها عندي سواءً حتى تَمَّ لي بتوفيق الله سبحانه ما تعلمونه»، وهنا انتهى كلام الأستاذ.
والواقع أنَّ أستاذي أقلَقَنِي في المجلس بما لم أكن فكَّرْتُ فيه، ثم أَزَالَ عني القلق في المجلس نفسِهِ بما ذكره عن أستاذه، فاكتفيت بهذه الوصية الغالية فقمتُ وقلبي ممتلىء نُوراً، فترسمْتُ خِطَّتَهُ بتوفيق الله سبحانه ولله الحمد على ما أولاني من نِعَمِهِ المتوالية بعد أخذي بوصية الأستاذ. ولم أستطع أن أفوِّتَ هذه النصيحة القيِّمَةَ بدونِ تسجيلها، وإن كانت قيلت فى زمن غير هذا الزمن الذي نحن فيه.
المجلد
العرض
87%
تسللي / 54