تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين
ومَكرُوهًا: وهو أَشعارُ المُولَّدينَ (¬1) من الغَزَل (¬2) والبَطالة.
¬__________
(¬1) مَطلَبٌ في الكَلام على إنشاد الشّعر:
أَي الشُّعَراء الَّذينَ حَدَثُوا بَعدَ شُعَراء العَرَب، قال في «القامُوس»: المُولَّدة المُحدَثة من كُلّ شَيءٍ، ومن الشُّعَراء لحُدُوثهم.
وفي آخر «الرَّيحانة» للشّهاب الخَفاجيّ: بُلَغاءُ العَرَب في الشّعر والخُطَب على ستّ طَبَقاتٍ:
الجاهليّة الأُولَى: من عادٍ وقَحطانَ.
والمُخَضرَمُونَ: وهُم مَن أَدرَكَ الجاهليّة والإسلامَ.
والإسلاميُّونَ والمُولَّدُونَ والمُحدَثُونَ والمُتأخّرُونَ ومَن أُلحقَ بهم من العَصريّينَ، والثَّلاثة الأُولُ هُم ما هُم في البَلاغة والجَزالة.
ومَعرفة شعرهم رواية ودراية عند فُقَهاء الإسلام فَرضُ كفاية؛ لأَنَّهُ به تَثبُتُ قَواعدُ العَرَبيّة الَّتي بها يُعلَمُ الكتابُ والسُّنّة المُتَوقّفُ على مَعرفَتهما الأَحكامُ الَّتي يَتَمَيَّزُ بها الحَلالُ من الحَرام، وكَلامُهُم وإن جازَ فيه الخَطأ في المَعاني فَلا يَجُوزُ فيه الخَطأ في الأَلفاظ وتَركيب المَباني اهـ. رد.
(¬2) المُرادُ به ما فيه وصفُ النِّساء والغلمان، وهو في الأَصل كما في «القامُوس»: اسمٌ لمُحادَثة النّساء. وعَطَفَ عليه قوله: والبَطالة عَطفُ عامٍّ على خاصٍّ؛ لأَنَّهُ نَوعٌ منها، فَشَملَ وصفَ حال المُحبّ مع المَحبُوب أو مع عُذّاله من الوصل والهَجر واللوعة والغَرام ونحو ذلك.
قال في «المصباح»: البَطالة نَقيضُ العمالة. من بَطَلَ الأَجيرُ من العَمَل، فهو بَطّالٌ بَيّنُ البَطالة بالفَتح وحُكيَ بالكَسر وهو أَفصَحُ، ورُبَّما قيل: بالضَّمّ. وذَكَرَ ابنُ عَبد الرَّزّاق: أَنَّهُ وجَدَ بهامش «المصباح» بخَطّ مُصَنّفه ما حاصلُهُ: الفَعالة بالفَتح قَد يكون وصفًا للطَّبيعة كالرَّزانة والجَهالة. وبالكَسر للصّناعة كالتّجارة. وبالضَّمّ لما يُرمَى كالقُلامة.
وقَد يُضَمَّنُ اللَّفظُ المَعانيَ الثَّلاثة، فَيَجُوزُ فيه الحَرَكاتُ الثَّلاثة، فالبَطالة بالفَتح لأَنَّهُ وصفٌ ثابتٌ، وبالكَسر؛ لأَنَّهُ أَشبَهَ الصّناعة للمُداومة عليها، وبالضَّمّ؛ لأَنَّها ممّا يُرفَضُ. اهـ.
أَقُولُ: وعلى هذا يُمكنُ أَن يَكُونَ إشارة إلى أَنَّ المَكرُوهَ منهُ ما داومَ عليه، وجَعَله صناعةً له حَتَّى غَلَبَ عليه، وأَشغَله عن ذكر اللَّه تَعالى، وعَن العُلُوم الشَّرعيّة. وبه فُسّرَ الحَديثُ المُتَّفَقُ عليه، وهو قَولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يَمتَلئَ جَوفُ أَحَدكُم قَيحًا خَيرٌ من أَن يَمتَلئَ شعرًا» [في صحيح البخاري8: 36]، فاليَسيرُ من ذلك لا بأسَ به إذا قُصدَ به إظهارُ النّكات واللَّطافات والتَّشابيه الفائقة والمَعاني الرّائقة، وإن كانَ في وصف الخُدُود والقُدُود، فإنَّ عُلَماءَ البَديع قَد استَشهَدُوا من ذلك بأَشعار المُولَّدينَ وغَيرهم لهذا القَصد.
وقَد ذَكَرَ المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في (شهادات) «فَتح القَدير»: أَنَّ المُحَرَّمَ منهُ ما كانَ في اللَّفظ ما لا يَحلُّ كَصفة الذُّكُور والمَرأة المُعَيَّنة الحَيّة، ووصف الخَمر المُهَيّج إلَيها والحانات، والهجاء لمُسلمٍ أو ذمّيٍّ إذا أَرادَ المُتَكَلّمُ هجاءَهُ، لا إذا أَرادَ إنشادَ الشّعر للاستشهاد به أو ليُعلمَ فَصاحَتَهُ وبَلاغَتَهُ.
ويَدُلُّ على أَنَّ وصفَ المَرأة كَذلك غَيرُ مانعٍ إنشادُ أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه - لذلك، وهو مُحرمٌ، وكذا ابنُ عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وممّا يَقطَعُ به في هذا قَولُ كَعبٍ - رضي الله عنه - بحَضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -:
وما سُعادُ غَداةَ البَين إذ ... رَحَلُوا ... إلّا أَغَنُّ غَضيضَ الطَّرف مَكحُولُ
تَجلُو عَوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتَسَمَت ... كأنَّهُ ... مَنهَلٌ ... بالرّاح ... مَعلُولُ
وكَثيرٌ في شعر حَسّانَ - رضي الله عنه - من هذا كَقَوله: وقَد سَمعَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
تَبَّلَت فُؤادَك في المَنام خَريدة ... تَسقي الضَّجيعَ بباردٍ بَسّام
فأمّا الزُّهريّاتُ المُجَرَّدة عن ذلك المُتَضَمّنة وصفَ الرَّياحين والأَزهار والمياه فَلا وجهَ لمَنعه، نَعَم إذا قيل: على المَلاهي امتَنَعَ وإن كانَ مَواعظَ وحكَمًا، اهـ مُلَخَّصًا.
وفي «الذَّخيرة» عن «النَّوازل» قراءة شعر الأَدَب إذا كانَ فيه ذكرُ الفسق والخَمر والغُلام يُكرَهُ، والاعتمادُ في الغُلام على ما ذَكَرنا في المَرأة: أَي من أَنَّها إن كانَت مُعَيَّنة حَيّة يُكرَهُ، وإن كانَت مَيّتة فَلا. اهـ. رد.
¬__________
(¬1) مَطلَبٌ في الكَلام على إنشاد الشّعر:
أَي الشُّعَراء الَّذينَ حَدَثُوا بَعدَ شُعَراء العَرَب، قال في «القامُوس»: المُولَّدة المُحدَثة من كُلّ شَيءٍ، ومن الشُّعَراء لحُدُوثهم.
وفي آخر «الرَّيحانة» للشّهاب الخَفاجيّ: بُلَغاءُ العَرَب في الشّعر والخُطَب على ستّ طَبَقاتٍ:
الجاهليّة الأُولَى: من عادٍ وقَحطانَ.
والمُخَضرَمُونَ: وهُم مَن أَدرَكَ الجاهليّة والإسلامَ.
والإسلاميُّونَ والمُولَّدُونَ والمُحدَثُونَ والمُتأخّرُونَ ومَن أُلحقَ بهم من العَصريّينَ، والثَّلاثة الأُولُ هُم ما هُم في البَلاغة والجَزالة.
ومَعرفة شعرهم رواية ودراية عند فُقَهاء الإسلام فَرضُ كفاية؛ لأَنَّهُ به تَثبُتُ قَواعدُ العَرَبيّة الَّتي بها يُعلَمُ الكتابُ والسُّنّة المُتَوقّفُ على مَعرفَتهما الأَحكامُ الَّتي يَتَمَيَّزُ بها الحَلالُ من الحَرام، وكَلامُهُم وإن جازَ فيه الخَطأ في المَعاني فَلا يَجُوزُ فيه الخَطأ في الأَلفاظ وتَركيب المَباني اهـ. رد.
(¬2) المُرادُ به ما فيه وصفُ النِّساء والغلمان، وهو في الأَصل كما في «القامُوس»: اسمٌ لمُحادَثة النّساء. وعَطَفَ عليه قوله: والبَطالة عَطفُ عامٍّ على خاصٍّ؛ لأَنَّهُ نَوعٌ منها، فَشَملَ وصفَ حال المُحبّ مع المَحبُوب أو مع عُذّاله من الوصل والهَجر واللوعة والغَرام ونحو ذلك.
قال في «المصباح»: البَطالة نَقيضُ العمالة. من بَطَلَ الأَجيرُ من العَمَل، فهو بَطّالٌ بَيّنُ البَطالة بالفَتح وحُكيَ بالكَسر وهو أَفصَحُ، ورُبَّما قيل: بالضَّمّ. وذَكَرَ ابنُ عَبد الرَّزّاق: أَنَّهُ وجَدَ بهامش «المصباح» بخَطّ مُصَنّفه ما حاصلُهُ: الفَعالة بالفَتح قَد يكون وصفًا للطَّبيعة كالرَّزانة والجَهالة. وبالكَسر للصّناعة كالتّجارة. وبالضَّمّ لما يُرمَى كالقُلامة.
وقَد يُضَمَّنُ اللَّفظُ المَعانيَ الثَّلاثة، فَيَجُوزُ فيه الحَرَكاتُ الثَّلاثة، فالبَطالة بالفَتح لأَنَّهُ وصفٌ ثابتٌ، وبالكَسر؛ لأَنَّهُ أَشبَهَ الصّناعة للمُداومة عليها، وبالضَّمّ؛ لأَنَّها ممّا يُرفَضُ. اهـ.
أَقُولُ: وعلى هذا يُمكنُ أَن يَكُونَ إشارة إلى أَنَّ المَكرُوهَ منهُ ما داومَ عليه، وجَعَله صناعةً له حَتَّى غَلَبَ عليه، وأَشغَله عن ذكر اللَّه تَعالى، وعَن العُلُوم الشَّرعيّة. وبه فُسّرَ الحَديثُ المُتَّفَقُ عليه، وهو قَولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يَمتَلئَ جَوفُ أَحَدكُم قَيحًا خَيرٌ من أَن يَمتَلئَ شعرًا» [في صحيح البخاري8: 36]، فاليَسيرُ من ذلك لا بأسَ به إذا قُصدَ به إظهارُ النّكات واللَّطافات والتَّشابيه الفائقة والمَعاني الرّائقة، وإن كانَ في وصف الخُدُود والقُدُود، فإنَّ عُلَماءَ البَديع قَد استَشهَدُوا من ذلك بأَشعار المُولَّدينَ وغَيرهم لهذا القَصد.
وقَد ذَكَرَ المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في (شهادات) «فَتح القَدير»: أَنَّ المُحَرَّمَ منهُ ما كانَ في اللَّفظ ما لا يَحلُّ كَصفة الذُّكُور والمَرأة المُعَيَّنة الحَيّة، ووصف الخَمر المُهَيّج إلَيها والحانات، والهجاء لمُسلمٍ أو ذمّيٍّ إذا أَرادَ المُتَكَلّمُ هجاءَهُ، لا إذا أَرادَ إنشادَ الشّعر للاستشهاد به أو ليُعلمَ فَصاحَتَهُ وبَلاغَتَهُ.
ويَدُلُّ على أَنَّ وصفَ المَرأة كَذلك غَيرُ مانعٍ إنشادُ أَبي هُرَيرة - رضي الله عنه - لذلك، وهو مُحرمٌ، وكذا ابنُ عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وممّا يَقطَعُ به في هذا قَولُ كَعبٍ - رضي الله عنه - بحَضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -:
وما سُعادُ غَداةَ البَين إذ ... رَحَلُوا ... إلّا أَغَنُّ غَضيضَ الطَّرف مَكحُولُ
تَجلُو عَوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتَسَمَت ... كأنَّهُ ... مَنهَلٌ ... بالرّاح ... مَعلُولُ
وكَثيرٌ في شعر حَسّانَ - رضي الله عنه - من هذا كَقَوله: وقَد سَمعَهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
تَبَّلَت فُؤادَك في المَنام خَريدة ... تَسقي الضَّجيعَ بباردٍ بَسّام
فأمّا الزُّهريّاتُ المُجَرَّدة عن ذلك المُتَضَمّنة وصفَ الرَّياحين والأَزهار والمياه فَلا وجهَ لمَنعه، نَعَم إذا قيل: على المَلاهي امتَنَعَ وإن كانَ مَواعظَ وحكَمًا، اهـ مُلَخَّصًا.
وفي «الذَّخيرة» عن «النَّوازل» قراءة شعر الأَدَب إذا كانَ فيه ذكرُ الفسق والخَمر والغُلام يُكرَهُ، والاعتمادُ في الغُلام على ما ذَكَرنا في المَرأة: أَي من أَنَّها إن كانَت مُعَيَّنة حَيّة يُكرَهُ، وإن كانَت مَيّتة فَلا. اهـ. رد.