تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين
ومَندُوبًا، وهو التَّبَحُّرُ في الفقه (¬1) وعلم القَلب (¬2).
وحَرامًا، وهو علمُ الفَلسَفة (¬3) والشَّعبَذة (¬4) والتَّنجيم (¬5)، والرَّمل (¬6)، وعُلُوم الطَّبائعيّينَ (¬7) والسّحر (¬8)، والكهانة (¬9)، ودَخَلَ في الفَلسَفة المَنطقُ (¬10)، ومن هذا القسم علمُ الحَرف (¬11)، وعلمُ المُوسيقِي (¬12).
¬__________
(¬1) أَي التَّوسُّعُ فيه والاطّلاعُ على غَوامضه، وكذا غَيرُهُ من العُلُوم الشَّرعيّة وآلاتها. رد.
(¬2) أَي علم الأَخلاق، وهو علمٌ يُعرَفُ به أَنواعُ الفَضائل وكَيفيّة اكتسابها وأَنواعُ الرَّذائل وكَيفيّة اجتنابها. اهـ. «ح» وهو مَعطُوفٌ على الفقه لا على التَّبَحُّر؛ لما عَلمت من أَنَّ علمَ الإخلاص والعُجب والحَسَد والرّياء فَرضُ عَينٍ، ومثلُها غَيرُها من آفات النُّفُوس: كالكبر والشُّحّ والحقد والغشّ والغَضَب والعَداوة والبَغضاء والطَّمَع والبُخل والبَطَر والخُيَلاء والخيانة والمُداهَنة والاستكبار عن الحَقّ والمَكر والمُخادَعة والقَسوة وطُول الأَمَل ونَحوها ممّا هو مُبَيَّنٌ في رُبُع المُهلكات من «الإحياء».
قال فيه: ولا يَنفَكُّ عَنها بَشَرٌ، فَيَلزَمُهُ أَن يَتَعَلَّمَ منها ما يَرَى نَفسَهُ مُحتاجًا إلَيه، وإزالَتُها فَرضُ عَينٍ، ولا يُمكنُ إلّا بمَعرفة حُدُودها وأَسبابها وعَلاماتها وعلاجها، فإنَّ مَن لا يَعرفُ الشَّرَّ يَقَعُ فيه. رد.
(¬3) هو لَفظٌ يُونانيٌّ، وتَعريبُهُ الحكَمُ المُمَوهة: أَي مُزَيَّنة الظّاهر فاسدة الباطن، كالقَول بقدَم العالَم وغَيره من المُكَفّرات والمُحَرَّمات، «ط». وذَكَرَ في «الإحياء» أَنَّها لَيسَت علمًا برأسها، بَل هي أَربَعة أَجزاءٍ:
أَحَدُها: الهَندَسة والحسابُ، وهُما مُباحان، ولا يُمنَعُ منهُما إلّا مَن يُخافُ عليه أَن يَتَجاوزَهُما إلى عُلُومٍ مَذمُومة.
والثّاني: المَنطقُ، وهو بَحثٌ عن وجه الدَّليل وشُرُوطه ووجه الحَدّ وشُرُوطه، وهُما داخلان في علم الكَلام.
والثّالثُ: الإلَهيّاتُ، وهو بَحثٌ عن ذات اللَّه تَعالى وصفاته، انفَرَدُوا فيه بمَذاهبَ بَعضُها كُفرٌ وبَعضُها بدعة.
والرّابعُ: الطَّبيعيّاتُ، وبَعضُها مُخالفٌ للشَّرع، وبَعضُها بَحثٌ عن صفات الأَجسام وخَواصّها وكَيفيّة استحالَتها وتَغَيُّرها، وهو شَبيهٌ بنَظَر الأَطبّاء، إلّا أَنَّ الطَّبيبَ يَنظُرُ في بَدَن الإنسان على الخُصُوص من حَيثُ يَمرَضُ ويَصحُّ، وهُم يَنظُرُونَ في جَميع الأَجسام من حَيثُ تَتَغَيَّرُ وتَتَحَرَّكُ، ولَكن للطّبّ فَضلٌ عليه؛ لأَنَّهُ مُحتاجٌ إلَيه. وأَمّا عُلُومُهُم في الطَّبيعيّات فَلا حاجة إلَيها اهـ.
(¬4) الصَّوابُ الشَّعوذة، وهيَ كَما في «القامُوس» خفّة في اليَد: كالسّحر تَرَى الشَّيءَ بغَير ما عليه أَصلُهُ. اهـ. «حَمَويٌّ»، لَكن في «المصباح» شَعوذَ الرَّجُلُ شَعوذة، ومنهُم مَن قال: شَعبَذَ شَعبَذة، وهيَ لَعبٌ يَرَى الإنسانُ منها ما لَيسَ له حَقيقة كالسّحر. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق.
وأَفتَى العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في أَهل الحَقّ في الطُّرُقات الَّذينَ لهم أَشياءُ غَريبة كَقَطع رأس إنسانٍ وإعادَته وجَعل نَحو دَراهمَ من التُّراب وغَير ذلك بأَنَّهُم في مَعنَى السَّحَرة إن لَم يكونوا منهُم، فَلا يَجُوزُ لهم ذلك، ولا لأَحَدٍ أَن يَقفَ عليهم، ثُمَّ نُقلَ عن «المُدَونة» من كُتُب المالكيّة: أَنَّ الَّذي يَقطَعُ يَدَ الرَّجُل أو يُدخلُ السّكّينَ في جَوفه إن كانَ سحرًا قُتلَ وإلّا عُوقبَ. رد.
(¬5) مَطلَبٌ في التَّنجيم والرَّمل:
والتنجيم: هو علمٌ يُعرَفُ به الاستدلال بالتَّشَكُّلات الفَلَكيّة على الحَوادث السُّفليّة. اهـ. ح. وفي «مُختارات النَّوازل» لصاحب الهداية: أَنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه حَسَنٌ غَيرُ مَذمُومٍ؛ إذ هو قسمان:
1.حسابيٌّ، وإنَّهُ حَقٌّ، وقَد نَطَقَ به الكتابُ، قال الله تَعالى: {الشَّمسُ والقَمَرُ بحُسبانٍ} [الرحمن: 5]: أَي سَيرُهُما بحسابٍ.
2.واستدلاليٌّ بسَير النُّجُوم وحَرَكة الأَفلاك على الحَوادث بقَضاء اللَّه تَعالى وقَدره، وهو جائزٌ كاستدلال الطَّبيب بالنَّبض من الصّحّة والمَرَض، ولو لَم يَعتَقد بقَضاء اللَّه تَعالى أو ادَّعَى الغَيبَ بنَفسه يَكفُرُ، ثُمَّ تَعَلُّمُ مقدار ما يُعرَفُ به مَواقيتُ الصَّلاة والقبلة لا بأسَ به. اهـ.
وأَفادَ أَنَّ تَعَلُّمَ الزّائد على هذا المقدار فيه بأسٌ، بَل صَرَّحَ في «الفُصُول» بحُرمَته، وهو ما مَشَى عليه الشّارحُ.
والظّاهرُ أَنَّ المُرادَ به القسمُ الثّاني دُونَ الأَول؛ ولذا قال في «الإحياء»: إنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه غَيرُ مَذمُومٍ لذاته؛ إذ هو قسمان ... إلَخ، ثُمَّ قال: ولَكنَّهُ مَذمُومٌ في الشَّرع. وقال عُمَرُ: تَعَلَّمُوا من النُّجُوم ما تَهتَدُوا به في البَرّ والبَحر ثُمَّ أمسكُوا، وإنَّما زَجَرَ عنه من ثَلاثة أوجُهٍ:
أَحَدُها: أَنَّهُ مُضرٌّ بأَكثَر الخَلق، فإنَّهُ إذا أَلقَى إلَيهم أَنَّ هَذه الآثارَ تَحدُثُ عَقيبَ سَير الكَواكب وقَعَ في نُفُوسهم أَنَّها المُؤَثّرة.
وثانيها: أَنَّ أَحكامَ النُّجُوم تَخمينٌ مَحضٌ، ولقد كانَ مُعجزة لإدريسَ - عليه السلام - فيما يُحكَى، وقَد اندَرَسَ.
وثالثُها: أَنَّهُ لا فائدة فيه، فإنَّ ما قُدّرَ كائنٌ، والاحترازُ منهُ غَيرُ مُمكنٍ، اهـ، مُلَخَّصًا. رد.
(¬6) هو علمٌ بضُرُوب أَشكالٍ من الخُطُوط والنُّقَط بقَواعدَ مَعلُومة تَخرُجُ حُرُوفًا تُجمَعُ، ويُستَخرَجُ جُملة دالّة على عَواقب الأُمُور، وقَد عَلمت أَنَّهُ حَرامٌ قَطعًا، وأَصلُهُ لإدريسَ - عليه السلام -، «ط»: أَي فهو شَريعة مَنسُوخة.
وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: أَنَّ تَعَلُّمَهُ وتَعليمَهُ حَرامٌ شَديدُ التَّحريم؛ لما فيه من إيهام العَوام أَنَّ فاعله يُشاركُ اللَّهَ تَعالى في غَيبه. رد.
(¬7) العلمُ الطَّبيعيُّ: علمٌ يُبحَثُ فيه عن أَحوال الجسم المَحسُوس من حَيثُ هو مُعَرَّضٌ للتَّغَيُّر في الأَحوال والثَّبات فيها. اهـ. «ح». وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: ما كانَ منهُ على طَريق الفَلاسفة حَرامٌ؛ لأَنَّهُ يُؤَدّي إلى مَفاسدَ كاعتقاد قدَم العالَم ونَحوه، وحُرمَته مُشابَهة لحُرمة التَّنجيم من حَيثُ إفضاءُ كُلٍّ إلى المَفسَدة. رد.
(¬8) هو علمٌ يُستَفادُ منهُ حُصُولُ مَلَكة نَفسانيّة يُقتَدَرُ بها على أَفعالٍ غَريبة لأَسبابٍ خَفيّة. اهـ. «ح». وفي «حاشية الإيضاح» لبيريٍّ زادَه: قال الشُّمُنّيُّ: تَعَلُّمُهُ وتَعليمُهُ حَرامٌ.
أَقُولُ: مُقتَضَى الإطلاق ولو تَعَلَّمَ لدَفع الضَّرَر عن المُسلمينَ، وفي «شَرح الزَّعفَرانيّ»: السّحرُ حَقٌّ عندنا وُجُودُهُ وتَصَوُّرُهُ وأَثَرُهُ. وفي «ذَخيرة النّاظر»: تَعَلُّمُهُ فَرضٌ لرَدّ ساحر أَهل الحَرب، وحَرامٌ ليُفَرَّقَ به بَينَ المَرأة وزَوجها، وجائزٌ ليُوفّقَ بَينَهُما. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق. قال «ط»: بَعدَ نَقله عن بَعضهم عن «المُحيط»، وفيه: أَنَّهُ ورَدَ في الحَديث النَّهيُ عن التُّولة بوزن عنَبة: وهيَ ما يُفعَلُ ليُحَبّبَ المَرأة إلى زَوجها. اهـ.
أَقُولُ: بَل نَصَّ على حُرمَتها في «الخانيّة»، وعَلَّله ابنُ وهبانَ بأَنَّهُ ضَربٌ من السّحر. قال ابنُ الشّحنة: ومُقتَضاهُ أَنَّهُ لَيسَ مُجَرَّدَ كتابة آياتٍ، بَل فيه شَيءٌ زائدٌ، اهـ، وسَيأتي تَمامُهُ قُبَيلَ إحياء المَوات إن شاءَ الله تَعالى. وذَكَرَ في «فَتح القَدير»: أَنَّهُ لا تُقبَلُ تَوبة السّاحر والزّنديق في ظاهر المَذهَب، فَيَجبُ قَتلُ السّاحر، ولا يُستَتابُ بسَعيه بالفَساد لا بمُجَرَّد علمه إذا لَم يَكُن في اعتقاده ما يُوجبُ كُفرَهُ، اهـ.
وذُكرَ في «تَبيين المَحارم» عن الإمام أَبي مَنصُورٍ: أَنَّ القَولَ بأَنَّ السّحرَ كُفرٌ على الإطلاق خَطأ، ويَجبُ البَحثُ عن حَقيقَته، فإن كانَ في ذلك رَدُّ ما لَزمَ في شَرط الإيمان فهو كُفرٌ، وإلّا فَلا. اهـ.
أَقُولُ: وقَد ذَكَرَ الإمامُ القَرافيُّ المالكيُّ: الفَرقَ بَينَ ما هو سحرٌ يَكفُرُ به وبَينَ غَيره، وأَطالَ في ذلك بما يَلزَمُ مُراجَعَتُهُ من أَواخر «شَرح اللَّقانيّ الكَبير على الجَوهَرة». ومن كتاب «الإعلام في قَواطع الإسلام» للعَلّامة ابن حَجَرٍ.
مَطلَبُ السّحر أَنواعٌ:
وحاصلُهُ أَنَّ السّحرَ اسمُ جنسٍ لثَلاثة أَنواعٍ:
الأَولُ: السّيمياءُ: وهيَ ما يُرَكَّبُ من خَواصَّ أَرضيّة كَدُهنٍ خاصٍّ أو كَلماتٍ خاصّة تُوجبُ إدراكَ الحَواسّ الخَمس أو بَعضها بما له وُجُودٌ حَقيقيٌّ، أو بما هو تَخَيُّلٌ صرفٌ من مأكُولٍ أو مَشمُومٍ أو غَيرهما.
الثّاني: الهيمياءُ: وهيَ ما يُوجبُ ذلك مُضافًا لآثارٍ سَماويّة لا أَرضيّة.
الثّالثُ: بَعضُ خَواصّ الحَقائق، كَما يُؤخَذُ سَبعُ أَحجارٍ يُرمَى بها نَوعٌ من الكلاب إذا رَمَى بحَجَرٍ عَضَّهُ، فإذا عَضَّها الكَلبُ وطُرحَت في ماءٍ، فَمَن شَربَهُ ظَهَرَت عليه آثارٌ خاصّة، فَهَذه أَنواعُ السّحر الثَّلاثة، قَد تَقَعُ بما هو كُفرٌ من لَفظٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ، وقَد تَقَعُ بغَيره كَوضع الأَحجار.
وللسّحر فُصُولٌ كَثيرة في كُتُبهم، فَلَيسَ كُلُّ ما يُسَمَّى سحرًا كُفرًا؛ إذ لَيسَ التَّكفيرُ به لما يَتَرَتَّبُ عليه من الضَّرَر، بَل لما يَقَعُ به ممّا هو كُفرٌ كاعتقاد انفراد الكَواكب: بالرُّبُوبيّة أو إهانة قُرآنٍ أو كَلامٍ مُكَفّرٍ ونَحو ذلك اهـ مُلَخَّصًا.
وهذا مُوافقٌ لكَلام إمام الهُدَى أَبي مَنصُورٍ الماتُريديّ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلزَمُ من عَدَم كُفره مُطلَقًا عَدَمُ قَتله؛ لأنّ قَتله بسَبَب سَعيه بالفَساد، كَما مَرَّ. فإذا ثَبَتَ إضرارُهُ بسحره ولو بغَير مُكَفّرٍ: يُقتَلُ دَفعًا لشَرّه كالخُنّاق وقُطّاع الطَّريق. رد.
(¬9) مَطلَبٌ في الكهانة:
الكهانة: وهيَ تَعاطي الخَبَر عن الكائنات في المُستَقبَل وادّعاءُ مَعرفة الأَسرار. قال في «نهاية الحَديث»: وقَد كانَ في العَرَب كَهَنة كَشقٍّ وسَطيحٍ.
فَمنهُم: مَن كانَ يَزعُمُ أَنَّ له تابعًا يُلقي إلَيه الأَخبارَ عن الكائنات.
ومنهُم: أَنَّهُ يَعرفُ الأُمُورَ بمُقَدّماتٍ يُستَدَلُّ بها على مُوافقها من كَلام مَن يَسأَلُهُ أو حاله أو فعله، وهذا يَخُصُّونَهُ باسم العَرّاف كالمُدَّعي مَعرفة المَسرُوق ونَحوه، وحَديثُ: «مَن أَتَى كاهنًا» يَشمَلُ العَرّافَ والمُنَجّمَ، والعَرَبُ تُسَمّي كُلَّ مَن يَتَعاطَى علمًا دَقيقًا كاهنًا.
ومنهُم: مَن يُسَمّي المُنَجّمَ والطَّبيبَ كاهنًا اهـ ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬10) لأَنَّهُ الجُزءُ الثّاني منها، والمُرادُ به المَذكُورُ في كُتُبهم للاستدلال على مَذاهبهم الباطلة.
أَمّا مَنطقُ الإسلاميّينَ الَّذي مُقَدّماتُهُ قَواعدُ إسلاميّة، فَلا وجهَ للقَول بحُرمَته، بَل سَمّاهُ الغَزاليُّ معيارَ العُلُوم، وقَد أَلَّفَ فيه عُلَماءُ الإسلام، ومنهُم: المُحَقّقُ ابنُ الهُمام، فإنَّهُ أَتَى منهُ ببَيان مُعظَم مَطالبه في مُقَدّمة كتابه «التَّحرير» الأُصُوليّ. رد.
(¬11) يَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به الكافُ الَّذي هو إشارة إلى الكيمياء، ولا شَكَّ في حُرمَتها؛ لما فيها من ضَياع المال، والاشتغال بما لا يُفيدُ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به جَمعُ حُرُوفٍ يَخرُجُ منها دَلالة على حَرَكاتٍ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ علمُ أَسرار الحُرُوف بأوفاق الاستخدام وغَير ذلك. اهـ. «ط».
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ الطَّلسَماتُ، وهيَ كَما في «شَرح اللَّقانيّ» نَقشُ أَسماءٍ خاصّة لَها تَعَلُّقٌ بالأَفلاك والكَواكب على زَعم أَهل هذا العلم في أَجسامٍ من المَعادن أو غَيرها تَحدُثُ لَها خاصّة رُبطَت بها في مَجاري العادات. اهـ.
هذا وقَد ذَكَرَ العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في باب الأَنجاس من «التُّحفة»: أَنَّهُ اُختُلفَ في انقلاب الشَّيء عن حَقيقَته كالنُّحاس إلى الذَّهَب هَل هو ثابتٌ؟ فَقيل: نَعَم؛ لانقلاب العَصا ثُعبانًا حَقيقة، وإلّا لَبَطَلَ الإعجازُ.
وقيل: لا؛ لأنّ قَلبَ الحَقائق مُحالٌ.
والحَقُّ الأَولُ إلى أَن قال: تَنبيهٌ، كَثيرًا ما يُسأَلُ عن علم الكيمياء وتَعَلُّمُهُ هَل يَحلُّ أو لا، ولَم نَرَ لأَحَدٍ كَلامًا في ذلك، واَلَّذي يَظهَرُ أَنَّهُ يَنبَني على هذا الخلاف، فَعلى الأَول مَن عَلَّمَ العلمَ المُوصلَ لذلك القَلب علمًا يَقينيًّا جازَ له علمُهُ وتَعليمُهُ؛ إذ لا مَحذُورَ فيه بوجهٍ، وإن قُلنا بالثّاني أو لَم يَعلَم الإنسانُ ذلك العلمَ اليَقينيَّ، وكانَ ذلك وسيلةً إلى الغشّ، فالوجهُ الحُرمة، اهـ مُلَخَّصًا.
وحاصلُهُ: أَنَّهُ إذا قُلنا بإثبات قَلب الحَقائق، وهو الحَقُّ جازَ العَمَلُ به وتَعَلُّمُهُ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بغشٍّ؛ لأنّ النُّحاسَ يَنقَلبُ ذَهَبًا أو فضّة حَقيقة.
وإن قُلنا: إنَّهُ غَيرُ ثابتٍ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ غشٌّ كَما لا يَجُوزُ لمَن لا يَعلَمُهُ حَقيقة لما فيه من إتلاف المال أو غشّ المُسلمينَ، والظّاهرُ أَنَّ مَذهَبَنا ثُبُوتُ انقلاب الحَقائق بدَليل ما ذَكَرُوهُ في انقلاب عَين النَّجاسة: كانقلاب الخَمر خَلًّا والدَّم مسكًا ونَحو ذلك، واَلله أَعلَمُ.
(¬12) وهو علمٌ رياضيٌّ يُعرَفُ منه أَحوالُ النَّغَم والإيقاعات، وكَيفيّة تأليف اللُّحُون، وإيجادُ الآلات.
ومَوضُوعُهُ: الصَّوتُ من جهة تأثيره في النُّفُوس باعتبار نظامه في طَبَقَته وزَمانه.
وثَمَرَتُهُ: بَسطُ الأَرواح وتَعديلُها وتَفويتُها وقَبضُها أَيضًا. رد.
وحَرامًا، وهو علمُ الفَلسَفة (¬3) والشَّعبَذة (¬4) والتَّنجيم (¬5)، والرَّمل (¬6)، وعُلُوم الطَّبائعيّينَ (¬7) والسّحر (¬8)، والكهانة (¬9)، ودَخَلَ في الفَلسَفة المَنطقُ (¬10)، ومن هذا القسم علمُ الحَرف (¬11)، وعلمُ المُوسيقِي (¬12).
¬__________
(¬1) أَي التَّوسُّعُ فيه والاطّلاعُ على غَوامضه، وكذا غَيرُهُ من العُلُوم الشَّرعيّة وآلاتها. رد.
(¬2) أَي علم الأَخلاق، وهو علمٌ يُعرَفُ به أَنواعُ الفَضائل وكَيفيّة اكتسابها وأَنواعُ الرَّذائل وكَيفيّة اجتنابها. اهـ. «ح» وهو مَعطُوفٌ على الفقه لا على التَّبَحُّر؛ لما عَلمت من أَنَّ علمَ الإخلاص والعُجب والحَسَد والرّياء فَرضُ عَينٍ، ومثلُها غَيرُها من آفات النُّفُوس: كالكبر والشُّحّ والحقد والغشّ والغَضَب والعَداوة والبَغضاء والطَّمَع والبُخل والبَطَر والخُيَلاء والخيانة والمُداهَنة والاستكبار عن الحَقّ والمَكر والمُخادَعة والقَسوة وطُول الأَمَل ونَحوها ممّا هو مُبَيَّنٌ في رُبُع المُهلكات من «الإحياء».
قال فيه: ولا يَنفَكُّ عَنها بَشَرٌ، فَيَلزَمُهُ أَن يَتَعَلَّمَ منها ما يَرَى نَفسَهُ مُحتاجًا إلَيه، وإزالَتُها فَرضُ عَينٍ، ولا يُمكنُ إلّا بمَعرفة حُدُودها وأَسبابها وعَلاماتها وعلاجها، فإنَّ مَن لا يَعرفُ الشَّرَّ يَقَعُ فيه. رد.
(¬3) هو لَفظٌ يُونانيٌّ، وتَعريبُهُ الحكَمُ المُمَوهة: أَي مُزَيَّنة الظّاهر فاسدة الباطن، كالقَول بقدَم العالَم وغَيره من المُكَفّرات والمُحَرَّمات، «ط». وذَكَرَ في «الإحياء» أَنَّها لَيسَت علمًا برأسها، بَل هي أَربَعة أَجزاءٍ:
أَحَدُها: الهَندَسة والحسابُ، وهُما مُباحان، ولا يُمنَعُ منهُما إلّا مَن يُخافُ عليه أَن يَتَجاوزَهُما إلى عُلُومٍ مَذمُومة.
والثّاني: المَنطقُ، وهو بَحثٌ عن وجه الدَّليل وشُرُوطه ووجه الحَدّ وشُرُوطه، وهُما داخلان في علم الكَلام.
والثّالثُ: الإلَهيّاتُ، وهو بَحثٌ عن ذات اللَّه تَعالى وصفاته، انفَرَدُوا فيه بمَذاهبَ بَعضُها كُفرٌ وبَعضُها بدعة.
والرّابعُ: الطَّبيعيّاتُ، وبَعضُها مُخالفٌ للشَّرع، وبَعضُها بَحثٌ عن صفات الأَجسام وخَواصّها وكَيفيّة استحالَتها وتَغَيُّرها، وهو شَبيهٌ بنَظَر الأَطبّاء، إلّا أَنَّ الطَّبيبَ يَنظُرُ في بَدَن الإنسان على الخُصُوص من حَيثُ يَمرَضُ ويَصحُّ، وهُم يَنظُرُونَ في جَميع الأَجسام من حَيثُ تَتَغَيَّرُ وتَتَحَرَّكُ، ولَكن للطّبّ فَضلٌ عليه؛ لأَنَّهُ مُحتاجٌ إلَيه. وأَمّا عُلُومُهُم في الطَّبيعيّات فَلا حاجة إلَيها اهـ.
(¬4) الصَّوابُ الشَّعوذة، وهيَ كَما في «القامُوس» خفّة في اليَد: كالسّحر تَرَى الشَّيءَ بغَير ما عليه أَصلُهُ. اهـ. «حَمَويٌّ»، لَكن في «المصباح» شَعوذَ الرَّجُلُ شَعوذة، ومنهُم مَن قال: شَعبَذَ شَعبَذة، وهيَ لَعبٌ يَرَى الإنسانُ منها ما لَيسَ له حَقيقة كالسّحر. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق.
وأَفتَى العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في أَهل الحَقّ في الطُّرُقات الَّذينَ لهم أَشياءُ غَريبة كَقَطع رأس إنسانٍ وإعادَته وجَعل نَحو دَراهمَ من التُّراب وغَير ذلك بأَنَّهُم في مَعنَى السَّحَرة إن لَم يكونوا منهُم، فَلا يَجُوزُ لهم ذلك، ولا لأَحَدٍ أَن يَقفَ عليهم، ثُمَّ نُقلَ عن «المُدَونة» من كُتُب المالكيّة: أَنَّ الَّذي يَقطَعُ يَدَ الرَّجُل أو يُدخلُ السّكّينَ في جَوفه إن كانَ سحرًا قُتلَ وإلّا عُوقبَ. رد.
(¬5) مَطلَبٌ في التَّنجيم والرَّمل:
والتنجيم: هو علمٌ يُعرَفُ به الاستدلال بالتَّشَكُّلات الفَلَكيّة على الحَوادث السُّفليّة. اهـ. ح. وفي «مُختارات النَّوازل» لصاحب الهداية: أَنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه حَسَنٌ غَيرُ مَذمُومٍ؛ إذ هو قسمان:
1.حسابيٌّ، وإنَّهُ حَقٌّ، وقَد نَطَقَ به الكتابُ، قال الله تَعالى: {الشَّمسُ والقَمَرُ بحُسبانٍ} [الرحمن: 5]: أَي سَيرُهُما بحسابٍ.
2.واستدلاليٌّ بسَير النُّجُوم وحَرَكة الأَفلاك على الحَوادث بقَضاء اللَّه تَعالى وقَدره، وهو جائزٌ كاستدلال الطَّبيب بالنَّبض من الصّحّة والمَرَض، ولو لَم يَعتَقد بقَضاء اللَّه تَعالى أو ادَّعَى الغَيبَ بنَفسه يَكفُرُ، ثُمَّ تَعَلُّمُ مقدار ما يُعرَفُ به مَواقيتُ الصَّلاة والقبلة لا بأسَ به. اهـ.
وأَفادَ أَنَّ تَعَلُّمَ الزّائد على هذا المقدار فيه بأسٌ، بَل صَرَّحَ في «الفُصُول» بحُرمَته، وهو ما مَشَى عليه الشّارحُ.
والظّاهرُ أَنَّ المُرادَ به القسمُ الثّاني دُونَ الأَول؛ ولذا قال في «الإحياء»: إنَّ علمَ النُّجُوم في نَفسه غَيرُ مَذمُومٍ لذاته؛ إذ هو قسمان ... إلَخ، ثُمَّ قال: ولَكنَّهُ مَذمُومٌ في الشَّرع. وقال عُمَرُ: تَعَلَّمُوا من النُّجُوم ما تَهتَدُوا به في البَرّ والبَحر ثُمَّ أمسكُوا، وإنَّما زَجَرَ عنه من ثَلاثة أوجُهٍ:
أَحَدُها: أَنَّهُ مُضرٌّ بأَكثَر الخَلق، فإنَّهُ إذا أَلقَى إلَيهم أَنَّ هَذه الآثارَ تَحدُثُ عَقيبَ سَير الكَواكب وقَعَ في نُفُوسهم أَنَّها المُؤَثّرة.
وثانيها: أَنَّ أَحكامَ النُّجُوم تَخمينٌ مَحضٌ، ولقد كانَ مُعجزة لإدريسَ - عليه السلام - فيما يُحكَى، وقَد اندَرَسَ.
وثالثُها: أَنَّهُ لا فائدة فيه، فإنَّ ما قُدّرَ كائنٌ، والاحترازُ منهُ غَيرُ مُمكنٍ، اهـ، مُلَخَّصًا. رد.
(¬6) هو علمٌ بضُرُوب أَشكالٍ من الخُطُوط والنُّقَط بقَواعدَ مَعلُومة تَخرُجُ حُرُوفًا تُجمَعُ، ويُستَخرَجُ جُملة دالّة على عَواقب الأُمُور، وقَد عَلمت أَنَّهُ حَرامٌ قَطعًا، وأَصلُهُ لإدريسَ - عليه السلام -، «ط»: أَي فهو شَريعة مَنسُوخة.
وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: أَنَّ تَعَلُّمَهُ وتَعليمَهُ حَرامٌ شَديدُ التَّحريم؛ لما فيه من إيهام العَوام أَنَّ فاعله يُشاركُ اللَّهَ تَعالى في غَيبه. رد.
(¬7) العلمُ الطَّبيعيُّ: علمٌ يُبحَثُ فيه عن أَحوال الجسم المَحسُوس من حَيثُ هو مُعَرَّضٌ للتَّغَيُّر في الأَحوال والثَّبات فيها. اهـ. «ح». وفي «فَتاوى ابن حَجَرٍ»: ما كانَ منهُ على طَريق الفَلاسفة حَرامٌ؛ لأَنَّهُ يُؤَدّي إلى مَفاسدَ كاعتقاد قدَم العالَم ونَحوه، وحُرمَته مُشابَهة لحُرمة التَّنجيم من حَيثُ إفضاءُ كُلٍّ إلى المَفسَدة. رد.
(¬8) هو علمٌ يُستَفادُ منهُ حُصُولُ مَلَكة نَفسانيّة يُقتَدَرُ بها على أَفعالٍ غَريبة لأَسبابٍ خَفيّة. اهـ. «ح». وفي «حاشية الإيضاح» لبيريٍّ زادَه: قال الشُّمُنّيُّ: تَعَلُّمُهُ وتَعليمُهُ حَرامٌ.
أَقُولُ: مُقتَضَى الإطلاق ولو تَعَلَّمَ لدَفع الضَّرَر عن المُسلمينَ، وفي «شَرح الزَّعفَرانيّ»: السّحرُ حَقٌّ عندنا وُجُودُهُ وتَصَوُّرُهُ وأَثَرُهُ. وفي «ذَخيرة النّاظر»: تَعَلُّمُهُ فَرضٌ لرَدّ ساحر أَهل الحَرب، وحَرامٌ ليُفَرَّقَ به بَينَ المَرأة وزَوجها، وجائزٌ ليُوفّقَ بَينَهُما. اهـ. ابنُ عَبد الرَّزّاق. قال «ط»: بَعدَ نَقله عن بَعضهم عن «المُحيط»، وفيه: أَنَّهُ ورَدَ في الحَديث النَّهيُ عن التُّولة بوزن عنَبة: وهيَ ما يُفعَلُ ليُحَبّبَ المَرأة إلى زَوجها. اهـ.
أَقُولُ: بَل نَصَّ على حُرمَتها في «الخانيّة»، وعَلَّله ابنُ وهبانَ بأَنَّهُ ضَربٌ من السّحر. قال ابنُ الشّحنة: ومُقتَضاهُ أَنَّهُ لَيسَ مُجَرَّدَ كتابة آياتٍ، بَل فيه شَيءٌ زائدٌ، اهـ، وسَيأتي تَمامُهُ قُبَيلَ إحياء المَوات إن شاءَ الله تَعالى. وذَكَرَ في «فَتح القَدير»: أَنَّهُ لا تُقبَلُ تَوبة السّاحر والزّنديق في ظاهر المَذهَب، فَيَجبُ قَتلُ السّاحر، ولا يُستَتابُ بسَعيه بالفَساد لا بمُجَرَّد علمه إذا لَم يَكُن في اعتقاده ما يُوجبُ كُفرَهُ، اهـ.
وذُكرَ في «تَبيين المَحارم» عن الإمام أَبي مَنصُورٍ: أَنَّ القَولَ بأَنَّ السّحرَ كُفرٌ على الإطلاق خَطأ، ويَجبُ البَحثُ عن حَقيقَته، فإن كانَ في ذلك رَدُّ ما لَزمَ في شَرط الإيمان فهو كُفرٌ، وإلّا فَلا. اهـ.
أَقُولُ: وقَد ذَكَرَ الإمامُ القَرافيُّ المالكيُّ: الفَرقَ بَينَ ما هو سحرٌ يَكفُرُ به وبَينَ غَيره، وأَطالَ في ذلك بما يَلزَمُ مُراجَعَتُهُ من أَواخر «شَرح اللَّقانيّ الكَبير على الجَوهَرة». ومن كتاب «الإعلام في قَواطع الإسلام» للعَلّامة ابن حَجَرٍ.
مَطلَبُ السّحر أَنواعٌ:
وحاصلُهُ أَنَّ السّحرَ اسمُ جنسٍ لثَلاثة أَنواعٍ:
الأَولُ: السّيمياءُ: وهيَ ما يُرَكَّبُ من خَواصَّ أَرضيّة كَدُهنٍ خاصٍّ أو كَلماتٍ خاصّة تُوجبُ إدراكَ الحَواسّ الخَمس أو بَعضها بما له وُجُودٌ حَقيقيٌّ، أو بما هو تَخَيُّلٌ صرفٌ من مأكُولٍ أو مَشمُومٍ أو غَيرهما.
الثّاني: الهيمياءُ: وهيَ ما يُوجبُ ذلك مُضافًا لآثارٍ سَماويّة لا أَرضيّة.
الثّالثُ: بَعضُ خَواصّ الحَقائق، كَما يُؤخَذُ سَبعُ أَحجارٍ يُرمَى بها نَوعٌ من الكلاب إذا رَمَى بحَجَرٍ عَضَّهُ، فإذا عَضَّها الكَلبُ وطُرحَت في ماءٍ، فَمَن شَربَهُ ظَهَرَت عليه آثارٌ خاصّة، فَهَذه أَنواعُ السّحر الثَّلاثة، قَد تَقَعُ بما هو كُفرٌ من لَفظٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ، وقَد تَقَعُ بغَيره كَوضع الأَحجار.
وللسّحر فُصُولٌ كَثيرة في كُتُبهم، فَلَيسَ كُلُّ ما يُسَمَّى سحرًا كُفرًا؛ إذ لَيسَ التَّكفيرُ به لما يَتَرَتَّبُ عليه من الضَّرَر، بَل لما يَقَعُ به ممّا هو كُفرٌ كاعتقاد انفراد الكَواكب: بالرُّبُوبيّة أو إهانة قُرآنٍ أو كَلامٍ مُكَفّرٍ ونَحو ذلك اهـ مُلَخَّصًا.
وهذا مُوافقٌ لكَلام إمام الهُدَى أَبي مَنصُورٍ الماتُريديّ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلزَمُ من عَدَم كُفره مُطلَقًا عَدَمُ قَتله؛ لأنّ قَتله بسَبَب سَعيه بالفَساد، كَما مَرَّ. فإذا ثَبَتَ إضرارُهُ بسحره ولو بغَير مُكَفّرٍ: يُقتَلُ دَفعًا لشَرّه كالخُنّاق وقُطّاع الطَّريق. رد.
(¬9) مَطلَبٌ في الكهانة:
الكهانة: وهيَ تَعاطي الخَبَر عن الكائنات في المُستَقبَل وادّعاءُ مَعرفة الأَسرار. قال في «نهاية الحَديث»: وقَد كانَ في العَرَب كَهَنة كَشقٍّ وسَطيحٍ.
فَمنهُم: مَن كانَ يَزعُمُ أَنَّ له تابعًا يُلقي إلَيه الأَخبارَ عن الكائنات.
ومنهُم: أَنَّهُ يَعرفُ الأُمُورَ بمُقَدّماتٍ يُستَدَلُّ بها على مُوافقها من كَلام مَن يَسأَلُهُ أو حاله أو فعله، وهذا يَخُصُّونَهُ باسم العَرّاف كالمُدَّعي مَعرفة المَسرُوق ونَحوه، وحَديثُ: «مَن أَتَى كاهنًا» يَشمَلُ العَرّافَ والمُنَجّمَ، والعَرَبُ تُسَمّي كُلَّ مَن يَتَعاطَى علمًا دَقيقًا كاهنًا.
ومنهُم: مَن يُسَمّي المُنَجّمَ والطَّبيبَ كاهنًا اهـ ابنُ عَبد الرَّزّاق. رد.
(¬10) لأَنَّهُ الجُزءُ الثّاني منها، والمُرادُ به المَذكُورُ في كُتُبهم للاستدلال على مَذاهبهم الباطلة.
أَمّا مَنطقُ الإسلاميّينَ الَّذي مُقَدّماتُهُ قَواعدُ إسلاميّة، فَلا وجهَ للقَول بحُرمَته، بَل سَمّاهُ الغَزاليُّ معيارَ العُلُوم، وقَد أَلَّفَ فيه عُلَماءُ الإسلام، ومنهُم: المُحَقّقُ ابنُ الهُمام، فإنَّهُ أَتَى منهُ ببَيان مُعظَم مَطالبه في مُقَدّمة كتابه «التَّحرير» الأُصُوليّ. رد.
(¬11) يَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به الكافُ الَّذي هو إشارة إلى الكيمياء، ولا شَكَّ في حُرمَتها؛ لما فيها من ضَياع المال، والاشتغال بما لا يُفيدُ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ به جَمعُ حُرُوفٍ يَخرُجُ منها دَلالة على حَرَكاتٍ.
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ علمُ أَسرار الحُرُوف بأوفاق الاستخدام وغَير ذلك. اهـ. «ط».
ويَحتَملُ أَنَّ المُرادَ الطَّلسَماتُ، وهيَ كَما في «شَرح اللَّقانيّ» نَقشُ أَسماءٍ خاصّة لَها تَعَلُّقٌ بالأَفلاك والكَواكب على زَعم أَهل هذا العلم في أَجسامٍ من المَعادن أو غَيرها تَحدُثُ لَها خاصّة رُبطَت بها في مَجاري العادات. اهـ.
هذا وقَد ذَكَرَ العَلّامة ابنُ حَجَرٍ في باب الأَنجاس من «التُّحفة»: أَنَّهُ اُختُلفَ في انقلاب الشَّيء عن حَقيقَته كالنُّحاس إلى الذَّهَب هَل هو ثابتٌ؟ فَقيل: نَعَم؛ لانقلاب العَصا ثُعبانًا حَقيقة، وإلّا لَبَطَلَ الإعجازُ.
وقيل: لا؛ لأنّ قَلبَ الحَقائق مُحالٌ.
والحَقُّ الأَولُ إلى أَن قال: تَنبيهٌ، كَثيرًا ما يُسأَلُ عن علم الكيمياء وتَعَلُّمُهُ هَل يَحلُّ أو لا، ولَم نَرَ لأَحَدٍ كَلامًا في ذلك، واَلَّذي يَظهَرُ أَنَّهُ يَنبَني على هذا الخلاف، فَعلى الأَول مَن عَلَّمَ العلمَ المُوصلَ لذلك القَلب علمًا يَقينيًّا جازَ له علمُهُ وتَعليمُهُ؛ إذ لا مَحذُورَ فيه بوجهٍ، وإن قُلنا بالثّاني أو لَم يَعلَم الإنسانُ ذلك العلمَ اليَقينيَّ، وكانَ ذلك وسيلةً إلى الغشّ، فالوجهُ الحُرمة، اهـ مُلَخَّصًا.
وحاصلُهُ: أَنَّهُ إذا قُلنا بإثبات قَلب الحَقائق، وهو الحَقُّ جازَ العَمَلُ به وتَعَلُّمُهُ؛ لأَنَّهُ لَيسَ بغشٍّ؛ لأنّ النُّحاسَ يَنقَلبُ ذَهَبًا أو فضّة حَقيقة.
وإن قُلنا: إنَّهُ غَيرُ ثابتٍ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ غشٌّ كَما لا يَجُوزُ لمَن لا يَعلَمُهُ حَقيقة لما فيه من إتلاف المال أو غشّ المُسلمينَ، والظّاهرُ أَنَّ مَذهَبَنا ثُبُوتُ انقلاب الحَقائق بدَليل ما ذَكَرُوهُ في انقلاب عَين النَّجاسة: كانقلاب الخَمر خَلًّا والدَّم مسكًا ونَحو ذلك، واَلله أَعلَمُ.
(¬12) وهو علمٌ رياضيٌّ يُعرَفُ منه أَحوالُ النَّغَم والإيقاعات، وكَيفيّة تأليف اللُّحُون، وإيجادُ الآلات.
ومَوضُوعُهُ: الصَّوتُ من جهة تأثيره في النُّفُوس باعتبار نظامه في طَبَقَته وزَمانه.
وثَمَرَتُهُ: بَسطُ الأَرواح وتَعديلُها وتَفويتُها وقَبضُها أَيضًا. رد.