تهذيب المدخل المفصل للفقه الحنفي - صلاح أبو الحاج
المطلب الثالث: دعاوى وردّها:
- رضي الله عنهم - كانوا إذا أُمروا بشيء أخذوا بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن حاجة إلى البحث (¬1).
¬__________
(¬1) وتفصيل هذه النقطة بما ذكره العلامة محمد أنور شاه الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 280: اعلم أنَّ هناك وظفتين:
الأولى: وظيفة الواعظ والمذكِّر، فإنَّه يحرض على العمل ويرغِّب إليه، فيختار من التعبيرات ما يكون أدعى لها، ولا يلتفت إلى تحقيق المسألة واستيفاء شرائطها وموانعها، بل يرسل الكلام فيعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب مطلقاً ويأمر وينهى ولا يلتفت إلى مزيد التفاصيل.
والثانية: وظيفة المعلِّم والفقيه، وهو يريد تلقين العلم وبيان المسألة، أما العمل بها فبمعزل عن نظره، فيحقق البيان ويدقق الكلام ويستوفي الشروط ويختار من التعبيرات ما لا يكون موهماً بخلاف المقصود، بل يكون أدل عليه وأقرب إليه، فلا يرسل الكلام بل يذكره بشرائطه ويعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب بشرائطه.
فهاتان وظيفتان، ومنصب الشارع منصب المذكِّر؛ قال الله - جل جلاله -: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر} الغاشية: 21 - 22، وليس له منصب المعلِّم فقط، فهو مذكِّر ومعلم معاً، فوجب أن يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عما يوجب الكسل.
وهذا هو التعليم الفطري، فإنَّ أكثر تعليماته - صلى الله عليه وسلم - مستفادة من عمله، فما أمر به الناس عمل به أولاً ثم تعلم منه الناس؛ ولذا لم يحتاجوا إلى التعليم والتعلم، ولو كان طريقه كما في زماننا لما شاع الدين إلى الأبد، ولكنَّه علَّم الناس بعمله، ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفطري أيضاً، وهو الأمر بالمطلوب والنهي عن المكروه، ولم يبحث عن مراتبه، قال - جل جلاله -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: 7، فهذا هو السبيل الأقوم.
أما البحث عن المراتب، فهو طريق مستحدث سلكه العلماء؛ لفساد الزمان، وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإنَّهم إذا أُمروا بشيء أخذوه بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن لهم حاجة إلى البحث.
ولو كان الشارع تعرض إلى المراتب لفاته منصب المذكِّر، ولانعدم العمل، فإنَّه إذا جاء البحث والجدل لبطل العمل، مثلاً لو قال تعالى: فاعتزلوا النساء عن موضع الطمث ولا تقربوه فقط واستمتعوا بسائر الأعضاء، لربما وقع الناس في الحرام؛ لأنَّ مَنْ يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإنَّما أخذ الاعتزال في التعبير؛ ليكون أسهل لهم في العمل ولا يقعوا في المعصية.
وكذا إذا أحب أمراً أمر به مطلقاً؛ ليأتمر به الناس بجميع مراتبه ويقع في حيز مرضاة الله تعالى، مثلاً: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من ترك الصلاة فقد كفر)، ولم يقل فعل فعل الكفر أو مستحلاً أو قارب الكفر، مع أنَّه كان أسهل في بادئ النظر؛ لأنَّه لو قال كذلك لفات غرضه من التشديد ولانعدم العمل؛ ولذا كان السلف يكرهون تأويله.
فالحاصل: أنَّه إذا أمرنا بشيء فكأنَّه يريد العمل به بأقصى ما يمكن بحيث لا تبقى مرتبة من مراتبه متروكة، وكذلك في جانب النهي؛ ولذا كان يقول عند البيعة: (فيما استطعتم) فبذل الجهد والاستطاعة لا يكون إلا إذا أجمل الكلام، وإذا فصَّل يحدث التهاون كما هو مشاهد في عمل العوام وعامة العلماء الذين ما لهم وجاهة عند الله وقَبول في جنابه، فهم ليسوا من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ينظر: الرسول المعلِّم ص190 - 192.
¬__________
(¬1) وتفصيل هذه النقطة بما ذكره العلامة محمد أنور شاه الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 280: اعلم أنَّ هناك وظفتين:
الأولى: وظيفة الواعظ والمذكِّر، فإنَّه يحرض على العمل ويرغِّب إليه، فيختار من التعبيرات ما يكون أدعى لها، ولا يلتفت إلى تحقيق المسألة واستيفاء شرائطها وموانعها، بل يرسل الكلام فيعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب مطلقاً ويأمر وينهى ولا يلتفت إلى مزيد التفاصيل.
والثانية: وظيفة المعلِّم والفقيه، وهو يريد تلقين العلم وبيان المسألة، أما العمل بها فبمعزل عن نظره، فيحقق البيان ويدقق الكلام ويستوفي الشروط ويختار من التعبيرات ما لا يكون موهماً بخلاف المقصود، بل يكون أدل عليه وأقرب إليه، فلا يرسل الكلام بل يذكره بشرائطه ويعد ويوعد ويرغِّب ويرهِّب بشرائطه.
فهاتان وظيفتان، ومنصب الشارع منصب المذكِّر؛ قال الله - جل جلاله -: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر} الغاشية: 21 - 22، وليس له منصب المعلِّم فقط، فهو مذكِّر ومعلم معاً، فوجب أن يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عما يوجب الكسل.
وهذا هو التعليم الفطري، فإنَّ أكثر تعليماته - صلى الله عليه وسلم - مستفادة من عمله، فما أمر به الناس عمل به أولاً ثم تعلم منه الناس؛ ولذا لم يحتاجوا إلى التعليم والتعلم، ولو كان طريقه كما في زماننا لما شاع الدين إلى الأبد، ولكنَّه علَّم الناس بعمله، ثم إذا قال لهم أمراً اختار فيه الطريق الفطري أيضاً، وهو الأمر بالمطلوب والنهي عن المكروه، ولم يبحث عن مراتبه، قال - جل جلاله -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: 7، فهذا هو السبيل الأقوم.
أما البحث عن المراتب، فهو طريق مستحدث سلكه العلماء؛ لفساد الزمان، وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإنَّهم إذا أُمروا بشيء أخذوه بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن لهم حاجة إلى البحث.
ولو كان الشارع تعرض إلى المراتب لفاته منصب المذكِّر، ولانعدم العمل، فإنَّه إذا جاء البحث والجدل لبطل العمل، مثلاً لو قال تعالى: فاعتزلوا النساء عن موضع الطمث ولا تقربوه فقط واستمتعوا بسائر الأعضاء، لربما وقع الناس في الحرام؛ لأنَّ مَنْ يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وإنَّما أخذ الاعتزال في التعبير؛ ليكون أسهل لهم في العمل ولا يقعوا في المعصية.
وكذا إذا أحب أمراً أمر به مطلقاً؛ ليأتمر به الناس بجميع مراتبه ويقع في حيز مرضاة الله تعالى، مثلاً: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من ترك الصلاة فقد كفر)، ولم يقل فعل فعل الكفر أو مستحلاً أو قارب الكفر، مع أنَّه كان أسهل في بادئ النظر؛ لأنَّه لو قال كذلك لفات غرضه من التشديد ولانعدم العمل؛ ولذا كان السلف يكرهون تأويله.
فالحاصل: أنَّه إذا أمرنا بشيء فكأنَّه يريد العمل به بأقصى ما يمكن بحيث لا تبقى مرتبة من مراتبه متروكة، وكذلك في جانب النهي؛ ولذا كان يقول عند البيعة: (فيما استطعتم) فبذل الجهد والاستطاعة لا يكون إلا إذا أجمل الكلام، وإذا فصَّل يحدث التهاون كما هو مشاهد في عمل العوام وعامة العلماء الذين ما لهم وجاهة عند الله وقَبول في جنابه، فهم ليسوا من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. ينظر: الرسول المعلِّم ص190 - 192.