اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري

صلاح أبو الحاج
تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج

كتاب الطَّلاق

ولا يقع فيما بينه وبين الله - جل جلاله - إلاّ أن ينويه، وإن لم يكونا في مذاكرة الطلاق وكانا في غضب أو خصومة وقع الطلاق بكلِّ لفظ لا يقصد به السبّ والشتيمة، ولا يقع بما يقصد به السبّ والشتيمة إلا أن ينويه، وإذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدّة، كان بائناً، مثل أن يقول: أنت طالقٌ بائن، أو طالقٌ أشدّ الطلاق، أو أفحش الطلاق، أو طلاق
(ولا يقع فيما بينه وبين الله - جل جلاله - إلاّ أن ينويه)؛ لأنَّه محتمل للطلاق وغيره.
(وإن لم يكونا في مذاكرة الطلاق وكانا في غضب أو خصومة وقع الطلاق بكلِّ لفظ لا يقصد به السبّ والشتيمة، ولا يقع بما يقصد به السبّ والشتيمة إلا أن ينويه)؛ لأنَّ حالَ الغضبَ يدلّ على الشتم، فهو أدنى، فلا يحمل على الطلاق وهو الأعلى إلا بيقين، وإذا لم يصلح اللفظ للشتم فقد تعيَّن للطلاق.
(وإذا وصف الطلاق (¬1) بضرب من الزيادة والشدّة، كان بائناً، مثل أن يقول: أنت طالقٌ بائن، أو طالقٌ أشدّ الطلاق، أو أفحش الطلاق، أو طلاق
¬__________
(¬1) شروط وقوع صيغ الطلاق رجعياً المخصوصة مِنَ الصريح والكناية ما يلي:
أولاً: أن تكون الزوجة مدخولاً بها حقيقة، فإن لم تكن مدخولاً بها أصلاً، وقع الطلاق بائناً؛ لأنَّ كلَّ طلاقٍ يلحق المرأة قبل الدخول بها يكون بائناً؛ ولأنَّ فائدة الطلاق الرجعيّ إنَّما تظهر في العدّة، فيجوز للزوج مراجعتها فيها وإن لم ترض، والمطلقة قبل الدخول لا عدّة عليها، فلا يكون الطلاق الواقع عليها رجعياً بل بائناً، ويقع أيضاً بائناً إن كانت مدخولاً بها دخولاً حكميّاً، وهو الخلوة، فمَن تزوَّج امرأةً واختلى بها فقط وبعد ذلك أوقع عليها طلاقاً كان بائناً بالنسبةِ لعدم الرجعة، وإن كانت عليها العدّة.
ثانياً: أن يكون الطلاقُ غيرَ مقرون بعوض، فلو قُرِنَ به كان الطلاق بائناً، فإذا قال رجل لزوجته: أنت طالقٌ في نظير ألفي دينار، فقبلت المرأةُ ذلك، وقعَ الطلاقُ بائناً، ولزمَها دفعُ المبلغ إلى الزوج، وإنَّما كان هذا الطلاق بائناً؛ لأنَّ غرضَ الزوجة مِن دفع هذا العوض حلّ العصمة، فلا يكون للزوج عليها سلطة، وهذا لا يكون إلا بالطلاق البائن؛ لأنَّ الطلاق الرجعيّ لا يزيل سلطة الزوج على الزوجة؛ إذ له إرجاعها إليه وإن لم ترض ما دامت في العدّة.
ثالثاً: أن يكون الطلاق غيرَ مقرون بعدد الثلاث لا نصّاً ولا إشارة، فإن قُرِنَ بعدد الثلاث نَصَّاً وَقَعَ الطلاق بائناً بينونة كبرى، فإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً وقع الثلاث، ومثله إذا قرنه بعدد الثلاث إشارة، كما إذا قال لها: أنت طالقٌ هكذا وأشار بثلاث أصابع؛ لأنَّ الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد عرفاً وشرعاً إذا اقترنت بالاسم المبهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين) في صحيح البخاري 5: 2031، وصحيح مسلم 2: 759.
فلو أشار بالواحدة طلقت واحدة، ولو أشار بالثنتين طلقت ثنتين، والإشارةُ تقع بالمنشورة منها دون المضمومة للسُنَّة والعرف، فلو قال: نويت الإشارة بالمضمومتين، صُدِّقَ ديانةً لا قضاءً، وفصَّل صاحب الوقاية وشرحها ص328، والغرر 1: 366، والملتقى ص59، والتنوير 2: 447 - 448: بأنَّه يعتبر المنشورة لو أشار ببطونها، ولو أشار بظهورها فالمضمومة، وعبر عنه صاحب الهداية 1: 228، والتبيين 2: 211، بقيل. قال صاحب الشرنبلالية 1: 366: ضعيف، والمعتبر المنشورة مطلقاً، وعليه المعول فلا تعتبر المضمومة مطلقاً قضاءً للعرف والسُنَّة، وتعتبر ديانةً، ووافقه ابنُ عابدين في ردّ المحتار2: 449، واللكنوي في عمدة الرعاية 2: 83، وعوّل عليه صاحب فتح القدير 4: 48.
رابعاً: أن يكون الطلاقُ غيرَ منعوت بما دلَّ على البينونة، كما إذا قال لها: أنت طالق بائن، أو ألبتة، أو طلقة شديدة، أو طويلة، أو عريضة، أو فاحشة، أو خبيثة، أو طلقة شديداً حكمها، أو خبيثاً حكمها، أو طلاق الشيطان، أو البدعة، فإنَّه يقعَ طلاقاً بائناً بلا نيّة ثلاث، بأن لم ينو عدداً أو نوى واحدة أو ثنتين، كما في شرح الوقاية ص329؛ لأنَّه وَصَفَه بما يحتمله لفظه، ألا ترى أنَّ البينونة قبل الدخول بها وبعد العدّة تحصل به، فيكون هذا الوصف لتعيين أحد المحتملين، كما في الهداية1: 238، وتقع مع كل واحدة من الألفاظ السابقة مع نية الثلاث ثلاث طلقات؛ وذلك لتنوّع البينونة إلى خفيفة وغليظة، كما في الدر المنتقى1: 299، فتحمل الألفاظ على المتيقّن، قال - جل جلاله -: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228]، وليس هناك مَن له حقّ غيره، إلا إذا كان له نيّة فيعمل بها؛ لأنَّه نوى ما يحتمله كلامه.
وإن لم يدلّ النعتُ على البينونة كما إذا قال لها: أنت طالقٌ طلقةً خفيفةً، أو حسنةً، أو لطيفةً، أو طلقة خفيفاً حكمها، أو حسناً حكمها، وقعَ الطلاقُ رجعياً.
خامساً: أن يكون الطلاقُ غيرَ منعوت بأَفعل التفضيل الدالّ على البينونة، كما إذا قال: أنت طالق أسوأ الطلاق، أو أشدّه، أو أخشنه، أو أكبره، أو أغلظه، أو أعظمه، أو أفحشه، وقعَ الطلاقُ بائناً بينونة صغرى بلا نية الثلاث كما سبق، وإنَّما وقعَ الطلاقُ بائناً؛ لأنَّ الطلاقَ إنَّما يوصفُ بهذا الوصف باعتبار أثره، وهو قطعُ النكاح حالاً بالنسبة للبائن.
فإن لم يدلّ أفعل التفضيل على البينونة كما إذا قال لها: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أعذبه، أو أخفّه، أو أفضله، أو أجمله، أو أعدله، وقعَ الطلاقُ رجعيّاً.
سادساً: أن يكون الطلاقُ غيرَ مشبّه بشيء مطلقاً، فإن شبّه بشيء وقع بائناً بينونة صغرى ما لم ينو الثلاث، كما سبق، كما إذا قال لها: أنت طالق كالجبل، أو مثل الجبل؛ لأنَّ الوصف بما ينبئ عن الزيادة، وكذلك التشبيه بأن شيء كان المشبه به كرأس إبرة، وحبّة خردل، وسمسمة؛ لاقتضاء التشبيه الزيادة لا محالة، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، واشترط أبو يوسف - رضي الله عنه - ذكر العظم مطلقاً، واشترط زفر - رضي الله عنه - أن يكون عظيماً عند الناس، ومحمد - رضي الله عنه - قيل مع أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقيل مع أبي يوسف - رضي الله عنه -، كما في رد المحتار 2: 449.
المجلد
العرض
59%
تسللي / 1775