السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية - ط الأوقاف السعودية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَعَزَلُوهُ؛ إنْ لَمْ يَضُرُّوهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا فِي، عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ، وَأَهْمَلُوا الْآجِلَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، فَعَاقِبَتُهُمْ عَاقِبَةٌ رَدِيئَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَا يُصْلِحُ عَاقِبَتَهُمْ مِنْ تَوْبَةٍ وَنَحْوِهَا. وَفَرِيقٌ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ، وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عَنْهَا مُطْلَقًا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ، أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ الدِّينِ، فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، يَكُونُ تَرْكُهُ أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ، يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ. وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقِتَالِ، فَيُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ، وَهَؤُلَاءِ لَا تَصْلُحُ بِهِمْ الدُّنْيَا وَلَا الدِّينُ الْكَامِلُ؛ لَكِنْ قَدْ يَصْلُحُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّينِ وَبَعْضُ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُمْ فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، وَيُغْفَرُ لَهُمْ قُصُورُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار وَالْفُجَّارِ؛ لَا بِمَالٍ وَلَا بِنَفْعٍ، وَيَرَى أَنَّ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نَوْعِ الْجَوْرِ وَالْعَطَاءِ الْمُحَرَّمِ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ: الْأَمَةُ الْوَسَطُ، وَهُمْ أَهْلُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ وَالْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ -وَإِنْ كَانُوا رُؤَسَاءَ- بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، إلَى صَلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ، وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ
48