طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الحق، ونورًا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانًا يفرق به بين الحق والباطل، ورزق مع ذلك اطلاعًا على أَسباب الخطأْ وتفرق الطرق ومثار الغلط، فكان له بصيرة فى الحق والباطل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إِحاطة الرب [﵎] بالعالم وعظمته، وأَن العوالم كلها فى قبضته، وأَن السموات السبع والأَرضين السبع فى يده كخردلة فى يد العبد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنّ رَبّكَ أَحَاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال: ﴿واللهُ مِنْ وَرَآئِهِمْ مُحِيطُ﴾ [البروج: ٢٠]، ولهذا يقرن سبحانه بينَ هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أَنه الظاهر وأَنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإِحاطة وأَنه لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [الشورى: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللهِ إِنّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، هو ﵎ كما أَنه العالى على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أَقرب إِلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء فى قبضته وليس شيء فى قبضة نفسه، فهذا أَقرب لإِحاطة العامة.
وأما القرب المذكور فى القرآن والسُّنَّة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فهذا قربه من داعيه، وقال تعالى: ﴿إِنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فوجد الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهى مؤنثة [إيذانًا] بقربه تعالى من المحسنين، فكأنه قال: إِن الله برحمته قريب من المحسنين. وفى الصحيح عن النبى ﷺ قال: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ"، و"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ"، فهذا قرب خاص غير قرب الإِحاطة وقرب البطون. وفى الصحيح من حديث أَبى موسى أَنهم كانوا مع النبى ﷺ فى سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إِحاطة الرب [﵎] بالعالم وعظمته، وأَن العوالم كلها فى قبضته، وأَن السموات السبع والأَرضين السبع فى يده كخردلة فى يد العبد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنّ رَبّكَ أَحَاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقال: ﴿واللهُ مِنْ وَرَآئِهِمْ مُحِيطُ﴾ [البروج: ٢٠]، ولهذا يقرن سبحانه بينَ هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أَنه الظاهر وأَنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإِحاطة وأَنه لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [الشورى: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللهِ إِنّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، هو ﵎ كما أَنه العالى على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أَقرب إِلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه وكل شيء فى قبضته وليس شيء فى قبضة نفسه، فهذا أَقرب لإِحاطة العامة.
وأما القرب المذكور فى القرآن والسُّنَّة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فهذا قربه من داعيه، وقال تعالى: ﴿إِنّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فوجد الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهى مؤنثة [إيذانًا] بقربه تعالى من المحسنين، فكأنه قال: إِن الله برحمته قريب من المحسنين. وفى الصحيح عن النبى ﷺ قال: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ"، و"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِى جَوْفِ اللَّيْلِ"، فهذا قرب خاص غير قرب الإِحاطة وقرب البطون. وفى الصحيح من حديث أَبى موسى أَنهم كانوا مع النبى ﷺ فى سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا
22