اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الزهد فى الحرام، وهذا متى أخل به انعقد سبب العقاب، فلا بد من وجود مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده.
الثانى: زهد مستحب، وهو على درجات فى الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد فى المكروه وفضول المباحات والتفنن فى الشهوات المباحة.
الثالث: زهد الداخلين فى هذا الشأْن، وهم المشمرون فى السير إلى الله وهو نوعان:
أحدهما: الزهد فى الدنيا جملة، وليس [المراد] تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت فى يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهى فى قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى فى يدك.
وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها.
ومن هذا الأثر المشهور، وقد روى مرفوعًا وموقوفًا: "ليس الزهد فى الدنيا [بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد فى الدنيا] أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك، وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أَرغب منك فيها لو أنها بقيت لك".
والذى يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء:
أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر وأنها كما قال الله تعالى فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًَّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضِ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وسماها سبحانه: "متاع الغرور" ونهى عن الاغترار بها،
252
المجلد
العرض
63%
الصفحة
252
(تسللي: 267)