اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
وتحمل على كره، ولكن هذا لا بد منه فى الصبر. وهو سببه الذى ينال به، فالتصبر من العبد، والصبر ثمرته التى يفرعها الله إذا تعاطاه وتكلفه، كما قال النبى ﷺ: "ومن يتصبر يصبره لله"، فمنزلة التصبر من الصبر منزلة التعلم والتفهم من العمل والفهم، فلا بد منه فى حصول الصبر.
الوجه التاسع: قوله: "والثانى الصبر، وهو نوع سهولة يخفف عن المبتلى بعض الثقل، ويسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر للله، وهو صبر المريدين"، فقد تقدم أن الصبر ثمرة التصبر وكلاهما إنما يحمد إذا كان الله. وإنما يكون إذا كان بالله فما لم يكن به لا يكون، وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر، فكلاهما لا يحصل للمريد السالك مقصوده إلا أن يكون بالله ولله. قال تعالى فى الصبر به: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال فى الصبر له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] .
واختلف الناس أى [الله] الصبرين أعلى وأفضل: الصبر له، أو به؟ فقالت طائفة منهم صاحب [كتاب] "منازل السائرين": وأضعف الصبر الصبر لله وهو صبر العامة، وفوقه الصبر بالله، [وهو صبر المريد وفوقهما الصبر على الله ووجه هذا القول السالك ووجه هذا القول إن الصبر لله] هو صبر العابد الذى تصبر نفسه لأَمر الله طالبًا لمرضاته وثوابه، فهو صابر على العمل صابر عن المحرمات، وأما الصبر به فهو تبرؤ من الحول والقوة، وإضافة ذلك إلى الله [﷿] وهو صبر المريد.
وأما الصبر على الله فصبر السالك على ما يجيء به متعلق أقداره وأحكامه. والصواب أن الصبر لله أكمل من الصبر به، فإِن الصبر له متعلق بإلهيته ومحبته، والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته، وما هو له أكمل مما هو به، فإن ما هو له [هو] الغاية وما به هو الوسيلة، فالصبر به وسيلة والصبر له غاية، وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل.
وأيضًا فإن الصبر له متعلق بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥]،وهاتان الكلمتان منقسمتان بين العبد وبين الله، كما ثبت عن النبى ﷺ فيما يروى عن ربه و"إِيَّاك نعبد" هى التى لله، و"إيَّاك نستعين" هى التى للعبد، وما لله أكمل مما للعبد فما تعلق بما هو له أفضل مما تعلق بما هو للعبد، وأيضًا فالصبر له مصدره المحبة، والصبر به مصدره الاستعانة والمحبة أكمل من الاستعانة. وأما الصبر على الله [سبحانه] فهو الصبر على
269
المجلد
العرض
67%
الصفحة
269
(تسللي: 284)