طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط الدار السلفية - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
كُل شَيءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"، فمن طلب الله بصدق وجده، ومن [وجده] أغناه وجوده عن كل شيء، فأَصبح حرًا فى غنى ومهابة على وجهه أَنواره وضياؤه، وإِن فاته مولاه ﷻ تباعد ما يرجو وطال عناؤه، ومن وصل إِلى هذا الغنى قرت به كل عين لأنه قد قرت عينه بالله والفوز بوجوده، ومن لم يصل إِليه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وقد قال ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ، ومَنْ أَصْبَحَ وَالآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِى قَلْبِهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِى رَاغِمَةٌ، وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ خَيْرٍ إِليهِ أَسْرَعُ"، فهذا هو الفقر الحقيقى والغنى الحقيقى، وإِذا كان هذا غنى من كانت الآخرة أَكبر همه فكيف من كان الله [﷿] أكبر همه، فهذا من باب التنبيه والأَولى.
47