تهذيب الآثار - مسند عمر - محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري
٩١٧ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ»، أَوْ قَالَ: «مِنْ شِعْرٍ هَجَانِي» وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ غَيْرَ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ عَلَى الِامْتِلَاءِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشِّعْرِ، لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةٌ» مَعْنًى مَعْقُولٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ أَنْوَاعِ الشِّعْرِ، لَا عَلَى الْخَاصِّ مِنْهُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَهْيَهُ عَنْهُ، لَكَانَ مَنْ كَانَ جَوْفُهُ ⦗٦٢٣⦘ مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةٌ دَاخِلًا فِي مَا قَالَ ﷺ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» . قَالُوا: وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إِضَافَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِضَافَةُ ذَمِّ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ مِنَ الْحِكْمَةِ إِلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةٌ لَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ كَانَ عَلَيْهِمُ الشِّعْرُ وَقِيلُهُ، وَذَلِكَ بِعِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ ذَامًّا، بَلْ كَانَ لَهُمْ حَامِدًا، وَلَهُمْ بِقِيلِهِ آمِرًا، مِنْهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِيهِ، لَكَانَ ﷺ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى مَنْ ذَكَرْنَا، وَإِلَى أَمْثَالِهِمْ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِهِ مُسْلِمَيْنَ، بِتَرْكِ قِيلِ الشِّعْرِ وَرِوَايَتِهِ. وَفِي أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِقِيلِهِ إِذْ هَاجَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَإِذْنِهِ لَهُمْ بِرِوَايَةِ مَا كَانَ مِنْهُ حِكْمَةً أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ قَوْلَنَا. وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: بَلْ مَعْنَاهُ: أَنْ يَغْلِبَ الشِّعْرُ عَلَى قَلْبِ الْمَرْءِ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ، وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﷿، فَيَكُونَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿، مِنْ أَيِّ الشِّعْرِ كَانَ ذَلِكَ قَالُوا: فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ وَالْعِلْمُ دُونَ الشِّعْرِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُمْتَلِئٍ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ يَرْوِي مِنَ الشِّعْرِ شِعْرًا كَثِيرًا وَيَقُولُهُ ⦗٦٢٤⦘. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ امْتِلَاءَهُ مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هَجَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَكَانَ مُرَخَّصًا فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الذَّمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الِامْتِلَاءِ مِنْ ذَلِكَ، لَا مِنْ جَمِيعِهِ، الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ. قَالُوا: وَفِي الْقَلِيلِ مِنْ هِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِسْلَامِ. فَفِي ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الِامْتِلَاءَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشِّعْرِ عَلَى مَا وَصَفْنَا. وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَارَضَتْهَا أَخْبَارٌ أُخَرُ غَيْرُهَا، وَهِيَ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ شُعَرَاءِ أَصْحَابِهِ بِقِيلِ الشِّعْرِ، وَهِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذْ هَجَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَتَرْكِهِ عَلَى رُوَاةِ ذَلِكَ فِي عَصْرِهِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فِي رِوَايَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَاسْتِنْشَادِهِ بَعْضَهُمْ كَثِيرًا مِنْهُ، وَاسْتِمَاعِهِ إِلَى مُنْشِدِيهِ كَثِيرًا، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ مِنْهُ لِذَلِكَ
622