اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

المقصد الأسنى

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
المقصد الأسنى - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ الِاتِّحَاد فَذَلِك أَيْضا أظهر بطلانا لِأَن قَول الْقَائِل إِن العَبْد صَار هُوَ الرب كَلَام متناقض فِي نَفسه بل يَنْبَغِي أَن ينزه الرب ﷾ عَن أَن يجْرِي اللِّسَان فِي حَقه بأمثال هَذِه المحالات ونقول قولا مُطلقًا إِن قَول الْقَائِل إِن شَيْئا صَار شَيْئا آخر محَال على الْإِطْلَاق لأَنا نقُول إِذا عقل زيد وَحده وَعَمْرو وَحده ثمَّ قيل إِن زيدا صَار عمروا واتحد بِهِ فَلَا يَخْلُو عِنْد الِاتِّحَاد إِمَّا أَن يكون كِلَاهُمَا موجودين أَو كِلَاهُمَا معدومين أَو زيد مَوْجُودا وَعَمْرو مَعْدُوما أَو بِالْعَكْسِ وَلَا يُمكن قسم وَرَاء هَذِه الْأَرْبَعَة
فَإِن كَانَا موجودين فَلم يصر عين أَحدهمَا عين الآخر بل عين كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْجُود وَإِنَّمَا الْغَايَة أَن يتحد مكانهما وَذَلِكَ لَا يُوجب الِاتِّحَاد فَإِن الْعلم والإرادة وَالْقُدْرَة قد تَجْتَمِع فِي ذَات وَاحِدَة وَلَا تتباين محالها وَلَا تكون الْقُدْرَة هِيَ الْعلم وَلَا الْإِرَادَة وَلَا يكون قد اتَّحد الْبَعْض بِالْبَعْضِ
وَإِن كَانَ معدومين فَمَا اتحدا بل عدما وَلَعَلَّ الْحَادِث شَيْء ثَالِث
وَإِن كَانَ أَحدهمَا مَعْدُوما وَالْآخر مَوْجُودا فَلَا اتِّحَاد إِذْ لَا يتحد مَوْجُود بمعدوم
فالاتحاد بَين شَيْئَيْنِ مُطلقًا محَال وَهَذَا جَار فِي الذوات المتماثلة فضلا عَن الْمُخْتَلفَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَاك السوَاد كَمَا يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَلِك الْبيَاض أَو ذَلِك الْعلم والتباين بَين العَبْد والرب أعظم من التباين بَين السوَاد وَالْبَيَاض وَالْجهل وَالْعلم
فَأصل الِاتِّحَاد إِذا بَاطِل وَحَيْثُ يُطلق الِاتِّحَاد وَيُقَال هُوَ هُوَ لَا يكون إِلَّا بطرِيق التَّوَسُّع والتجوز اللَّائِق بعادة الصُّوفِيَّة وَالشعرَاء فَإِنَّهُم لأجل تَحْسِين موقع الْكَلَام من الإفهام يسلكون سَبِيل الِاسْتِعَارَة كَمَا يَقُول الشَّاعِر
152
المجلد
العرض
73%
الصفحة
152
(تسللي: 129)