ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى - د. صغيّر بن محمد الصغيّر
إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَدِيمَ الْمِثْلِ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.
وكان العلماءُ يَعْجَبون من كثرةِ حديثِه وعلمِه حتى قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ: حَمَلْتُ مَعِي جُزْءً مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ، فَقَالَ: مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ. وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَلَا غَيْرُهُ. (١)
وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا ...
ومن روائعِ قصةِ لقْيَاهُ بالإمامِ أحمدَ حينما كان شابًا، وسارَ من الأندلسِ إلى العراقِ على قدميه مانقلَه بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عن حفيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: رَحَلَ أَبِي -يعني بقيّ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. فَفُرِجَتْ لي فُرْجَةٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي، فَقَالَ: قُلْ. فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ، فَبَعْضًا زَكَّى، وَبَعْضًا جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، فَقَالَ
_________
(١) سير أعلام النبلاء (ج ١٣ ص ٢٨٨).
وكان العلماءُ يَعْجَبون من كثرةِ حديثِه وعلمِه حتى قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ: حَمَلْتُ مَعِي جُزْءً مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ، فَقَالَ: مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ. وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَلَا غَيْرُهُ. (١)
وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا ...
ومن روائعِ قصةِ لقْيَاهُ بالإمامِ أحمدَ حينما كان شابًا، وسارَ من الأندلسِ إلى العراقِ على قدميه مانقلَه بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عن حفيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: رَحَلَ أَبِي -يعني بقيّ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. فَفُرِجَتْ لي فُرْجَةٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي، فَقَالَ: قُلْ. فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ، فَبَعْضًا زَكَّى، وَبَعْضًا جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، فَقَالَ
_________
(١) سير أعلام النبلاء (ج ١٣ ص ٢٨٨).
385