الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا - أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا
٣٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ يَحْيَى الزَّرَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قُثَمٌ الْعَابِدُ، عَنْ حَمْزَةَ الْأَعْمَى، قَالَ: ذَهَبَتْ أُمِّي إِلَى الْحَسَنِ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَعِيدٍ ابْنِي هَذَا قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَلْزَمَكَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِكَ، قَالَ: فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي يَوْمًا: «يَا بُنَيَّ أَدِمِ الْحُزْنَ عَلَى خَيْرِ الْآخِرَةِ، لَعَلَّهُ أَنْ يُوصِلَكَ إِلَيْهِ، وَابْكِ فِي سَاعَاتِ الْخَلْوَةِ، لَعَلَّ مَوْلَاكَ يَطَّلِعُ عَلَيْكَ فَيَرْحَمَ عَبْرَتَكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْفَائِزِينَ» . قَالَ: وَكُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ وَهُوَ يَبْكِي، وَآتِيهِ مَعَ النَّاسِ وَهُوَ يَبْكِي، وَرُبَّمَا جِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَسْمَعُ بُكَاءَهُ وَنَحِيبَهُ، فَقُلْتُ لَهُ يُومًا: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكَ لَتُكْثِرُ مِنَ الْبُكَاءِ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: «يَا بُنَيَّ فَمَا يَصْنَعُ الْمُؤْمِنُ إِذَا لَمْ يَبْكِ؟ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْبُكَاءَ دَاعٍ إِلَى الرَّحْمَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ عُمْرَكَ ⦗٥٦⦘ إِلَّا بَاكِيًا فَافْعَلْ، لَعَلَّهُ يَرَاكَ عَلَى حَالَةٍ، فَيَرْحَمَكَ بِهَا، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ نَجَوْتَ مِنَ النَّارِ»
55