الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا - أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا
اللَّيِّنَ، فَلَمَّا رَأَى الرُّهْبَانُ ذَلِكَ غَاظَهُمْ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ سَنَّاطٌ كَانَ يَحْسُدُهُ عَلَى نُبْلِ لِحْيَتِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا الْفَاسِقَ يُذِلَّكُمْ، وَيَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى فِسْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، قَالُوا: قَدِ اعْتَزَلْنَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَتَفَرَّغْنَا لِلْعِبَادَةِ فَابْتُلِينَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِالشُّغُلِ، وَالْهَمِّ، وَالْحَزَنِ. قَالَ السَّنَّاطُ: هَذَا مَا عَمِلَ بِكُمْ سُوءُ رَأْيِكُمْ، وَحُسْنُ نَظَرِكُمْ فِي طُولِ اللِّحَى، وَمَنْ قَلَّدَ أَمْرَهُ أَهْلَ اللِّحَى وَالرِّيَاءِ، وَتَرَكَ أَهْلَ الْعَفَافِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ فَلْيَصْبِرْ لِمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى أَنْ يَعِظُوهُ، فَأَتَاهُ السَّنَّاطُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَقَدْ ظَهَرَ لِأَصْحَابِكَ مَا تَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَاحْذَرْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَجَّلَهَا فِي الدُّنْيَا لِلْعَبْدِ قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّاهِبُ: أَلَيْسَ إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ أَحَاطَتْ بِبَنِي آدَمَ حَتَّى نَالَتِ
50