أيقونة إسلامية

عقود رسم المفتي

صلاح أبو الحاج
عقود رسم المفتي - صلاح أبو الحاج

المطلب الرابع: وصف نسخ المخطوطات المعتمدة في التحقيق:

واعمل بمفهوم روايات أَتى ... ما لم يُخالف لصريح ثبتا (¬1)
والعرفُ في الشرع له اعتبار ... لذا عليه الحُكم قد يدار (¬2)
ولا يجوز بالضعيف العمل ... ولا به يجاب مَن جا يسأل
¬__________
(¬1) معناه: يعمل بمفهوم المخالفة في عبارات الكتب الفقهيّة إن لم تكن مخالفة لما ثبت صريحاً؛ قال عمر ابن نجيم في النهر الفائق 1: 37: «مفاهيم الكتب حجّة بخلاف أكثر مفاهيم النصوص»: أي مِنَ القرآن والسنة، فمفهوم المخالفة معتبر عند الشافعية، وغير معتبر عند الحنفية، بمعنى أنَّ النصّ لا يدل على نقيض الحكم لغير المنطوق فيبقى المفهوم مسكوتاً عنه، فإن دلَّ دليل على أنَّ حكمه حكم المنطوق عمل به، وإن دلَّ دليل على أنَّ حكمه مناقض لحكم المنطوق عمل به.
وجه الفرق بين النصوص الشرعية والعبارات الفقهية: أنَّ نصوص القرآن والسنة تحتوي على عبارات بليغة حكيمة، فربّما تذكر فيها ألفاظ للتأكيد والتوبيخ والتشنيع والوعظ والتذكير ولا تكون قيداً لما سبق: كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41]، فإنَّما أضيف لفظ القليل للتشنيع على العمل، ولا يدلّ على أن الاشتراء بالثمن الكثير جائز، وكذلك قوله - جل جلاله -: {لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فإنَّه يدلّ على أنَّ الربا جائز إذا لم يكن ضعفاً للأصل.
أما كتب الفقه، فإنَّ مقصودها تدوين الأحكام على طريقة قانونية وليس فيها شيء مِنَ التأكيد والتشنيع وغير ذلك، فلا بُدَّ مِنْ اعتبار مفهوم المخالفة فيها. ينظر: أصول الإفتاء ص 42 - 43، وغيره.
(¬2) معناه: كما قال ابن عابدين في شرح عقود رسم المفتي ص 45: «إنَّ كثيراً مِنَ الأَحكام التي نصَّ عليها المجتهدُ صاحبُ المذهب بناءً على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيَّرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة ...
وكلُّ ذلك غيرُ خارج عن المذهب؛ لأنَّ صاحبَ المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها، ولو حدث هذا التغيُّر في زمانه لم ينصّ على خلافها.
وهذا الذي جَرّأ المجتهدين في المذهب وأهل النظر الصحيح مِنَ المتأخرين على مخالفةِ المنصوصِ عليه مِنْ صاحب المذهب في كتب ظاهر الرواية، بناءً على ما كان في زمنه ...
فللمفتي اتّباعُ عرفه الحادث في الألفاظ العرفية، وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عُرْف زَمانِه، وتغيّر عُرْفه إلى عُرْفٍ آخر اقتداءً بهم، لكن بعد أن يكون المفتي ممَّن له رأيٌ ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعدِ الشرع، حتى يميزَ بين العُرْف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره ...
و جمودَ المفتي أو القاضي على ظاهرِ المنقول مع تركِ العرفِ والقرائنِ الواضحةِ والجهلِ بأحوال النّاس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين».
وهذا الكلام مِنْ ابن عابدين في غاية الدّقة والروعة؛ لأنَّ هذا الجمود على النُّصوص الفقهيّة بدون فهم عللها ومراعاة الواقع أقصت الفقه عن حياة المسلمين في كثيرين من مناحي الحياه، والله المستعان.
وينتبه أنَّ ابن عابدين أطلق مصطلح العرف ولم يقصد به العرف فحسب، بل قصد قواعد رسم المفتي من الضرورة والتيسير والمصلحة وتغير الزمان، ويظهر هذا جلياً لمَن يطالع رسالته: «نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف».
وإنَّ أكثر قاعدة مِنَ الرسم تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي: النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على ما حسب ما يقتضيه عرف النّاس، قال الجوينيّ في نهاية المطلب 11: 382: «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها»، وقال أيضاً 11: 416: «والتّعويل في التّفاصيل على العرف، وأعرف النّاس به أعرفهم بفقه المعاملات»؛ لأنَّ العرف من الجانب التَّطبيقيّ للفقه، وليس من الجانب الاستنباطيّ للحكم، ومَرَدُّه إلى أمرين:
1.فهمُ مراد المتكلِّم من كلامِه، فنحن نستخدم ألفاظاً ونريد بها معاني معيّنة تعارفنا في إطلاقها عليها، وإن كان اللّفظ عامّاً يشمل غيرها، مثل: اللحم يشمل لحم سائر الحيوانات من الطّيور والبقر والغنم وغيرها، ولكن تعارفنا عند إطلاقها على إرادة لحم البقر والغنم لا الطيور مثلاً، فإذا قال شخص: والله لا آكل لحماً، ثمّ أكل دجاجاً لا يحنث؛ لأنَّه لا يعتبر لحماً عرفاً، فاستفدنا من العرف معرفة مقصود المتكلّم من كلامه، وقس عليه.
2.معرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم، فالحكم في نفسه ثابت من الشّارع الحكيم، والعرف لا يغيّر الحكم، لكن الحكم مبنيّ على علّة، وهذه العلّة تحتاج إلى محلّ في تطبيقها، فالعرف يساعدنا على تطبيق ذلك، مثاله: أنَّ الحكم عدم قبول إلا شهادة العدل، كما شهد القرآن: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282]، والعرف يُساعدنا في معرفةِ العدل، ففي زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يَحتج للتّزكية في العدالة؛ لأنَّ النّاس عدول، وفي زمن الصَّاحبين تغيّرت أحوال النّاس، فنحتاج لتحقُّق علّة الحكم من العدالة بالتَّزكية، فمَن لم يكن عدلاً لا تُقبل شهادته، هذا هو الحكم، ولكن كيف نتعرَّف على العدالة، حيث أمكن ذلك بالعرف.
وبالتالي لا يخرج العرف عن هذين المعنيين البتّة، فلا يكون مغيّراً للحكم الشرعيّ أبداً، ولا تستنبط به الأحكام أيضاً، وإنَّما هو معرّف للحكم ببيان مقصود المتكلّم من كلامه، ومعرفة صلاحيّة المحلّ لعلّة الحكم.
وتَبيُّن أنَّ المحلّ صالح للحكم أمر مهم جداً؛ إذ نحتاج قبل تطبيق كلِّ حكم أن نتعرّف على علّته أوَّلاً ثمّ ننظر هل المحلّ مناسب لها أم لا؟ فإن لم يكن مناسباً لها فإنَّ الحكم لا يطبق هنا.
المجلد
العرض
81%
تسللي / 77