مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
المجلد 1
وهذا لأن الاستيلاء سبب الملك في محل مباح لا في محل معصوم، حتى لا يملك مال المستأمن بالقهر بخلاف مال الحربي الذي لا أمان له، ولا يملك صيد الحرم بالاستيلاء بخلاف صيد الحل، والسبب لا يعمل إلا في محله، فإذا صادف الاستيلاء محلا معصوما لم يكن موجبا للملك، وبه فارق سائر أسباب الملك من البيع والهبة؛ لأنه موجب للملك في محل معصوم وهو مملوك.
وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ} [الحشر: 8] فإن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء، والفقير حقيقة من لا ملك له، ولو لم يملك الكفار أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء، ولما قال علي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: ألا تنزل دارك؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل من ربع»، وقد كان له دار بمكة ورثها من خديجة رضي الله عنها فاستولى عليها عقيل بعد هجرته، والمعنى فيه: أن الاستيلاء سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك به الكافر مال المسلم، كالبيع والهبة، وتأثيره أن نفس الأخذ سبب لملك المال إذا تم بالإحراز وبيننا وبينهم مساواة في أسباب إصابة الدنيا، بل حظهم أوفر من حظنا؛ لأن الدنيا لهم؛ ولأنه لا مقصود لهم في هذا الأخذ سوى اكتساب المال، ونحن لا نقصد بالأخذ اكتساب المال.
ثم جعل هذا الأخذ سببًا للملك في حق المسلم بدون القصد؛ فلأن يكون سببا للملك في حقهم مع وجود القصد أولى، وإنما يفارقوننا فيما يكون طريقه طريق الجزاء؛ لأن الجزاء بوفاق العمل وذلك في تملك رقاب الأحرار؛ لأن الآدمي في الأصل خلق مالكا لا مملوكًا، فصفة المملوكية فيه تكون بواسطة إبطال صفة المالكية، وذلك مشروع في حقهم بطريق الجزاء، فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم الله تعالى على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده، ولا يوجد ذلك في حق المسلمين، ولا إشكال أن إبطال صفة الحرية يكون بطريق الجزاء والعقوبة، ألا ترى أن إثبات صفة الحرية في المملوك مشروع بطريق الجزاء والتقرب فإبطال صفة الحرية يكون للجزاء والعقوبة، وقد تعذر إثبات هذه الواسطة في رقاب الأحرار المسلمين، أو من ثبت له حق العتق منهم، حتى إن في حق العبيد لما كان الملك يثبت بدون هذه الواسطة، قلنا بأنهم يملكون عبيدنا بالأخذ؛ والمفارقة بيننا وبينهم في الحل والحرمة لا يمنع المساواة في حكم الملك عند تقرر سببه.
ألا ترى أن استكساب المسلم عبده الكافر سبب مباح للملك، واستكساب الكافر عبده المسلم حرام، ومع ذلك كان موجبا للملك لتقرر السبب، مع أن الفعل الذي هو عدوان
وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ} [الحشر: 8] فإن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء، والفقير حقيقة من لا ملك له، ولو لم يملك الكفار أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء، ولما قال علي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: ألا تنزل دارك؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل من ربع»، وقد كان له دار بمكة ورثها من خديجة رضي الله عنها فاستولى عليها عقيل بعد هجرته، والمعنى فيه: أن الاستيلاء سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك به الكافر مال المسلم، كالبيع والهبة، وتأثيره أن نفس الأخذ سبب لملك المال إذا تم بالإحراز وبيننا وبينهم مساواة في أسباب إصابة الدنيا، بل حظهم أوفر من حظنا؛ لأن الدنيا لهم؛ ولأنه لا مقصود لهم في هذا الأخذ سوى اكتساب المال، ونحن لا نقصد بالأخذ اكتساب المال.
ثم جعل هذا الأخذ سببًا للملك في حق المسلم بدون القصد؛ فلأن يكون سببا للملك في حقهم مع وجود القصد أولى، وإنما يفارقوننا فيما يكون طريقه طريق الجزاء؛ لأن الجزاء بوفاق العمل وذلك في تملك رقاب الأحرار؛ لأن الآدمي في الأصل خلق مالكا لا مملوكًا، فصفة المملوكية فيه تكون بواسطة إبطال صفة المالكية، وذلك مشروع في حقهم بطريق الجزاء، فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى جازاهم الله تعالى على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده، ولا يوجد ذلك في حق المسلمين، ولا إشكال أن إبطال صفة الحرية يكون بطريق الجزاء والعقوبة، ألا ترى أن إثبات صفة الحرية في المملوك مشروع بطريق الجزاء والتقرب فإبطال صفة الحرية يكون للجزاء والعقوبة، وقد تعذر إثبات هذه الواسطة في رقاب الأحرار المسلمين، أو من ثبت له حق العتق منهم، حتى إن في حق العبيد لما كان الملك يثبت بدون هذه الواسطة، قلنا بأنهم يملكون عبيدنا بالأخذ؛ والمفارقة بيننا وبينهم في الحل والحرمة لا يمنع المساواة في حكم الملك عند تقرر سببه.
ألا ترى أن استكساب المسلم عبده الكافر سبب مباح للملك، واستكساب الكافر عبده المسلم حرام، ومع ذلك كان موجبا للملك لتقرر السبب، مع أن الفعل الذي هو عدوان