مقالات الإمام الكوثري في ذكرى المولد النبوي الشريف - محمد زاهد الكوثري
المقالة الثالثة
---
المقالة الثالثة
---
المولد النبوي والدعوة النبوية
من علم ما كانت طوائف البشر وصلت إليه من التدهور في أبواب الاعتقاد والعمل والخُلُق قبل مولد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ثم لمح إلى ما تمَّ بيده الكريمة من الإصلاح الشامل في تلك الأبواب في مدة يسيرة بعد قيامه بالدعوة إلى الله سبحانه: ازداد تيقناً بأن الله عز وجل ما أرسله إلا ليكون رحمة للعالمين حقاً.
فها هي بيئته كانت متوغلة كل التوغل في جاهلية جهلاء ووثنية خرقاء تعبد ما تنحت، وتعتقد أن الملائكة بنات الله -تعالى عن ذلك-، ولا تترفع عن اتخاذ الغارات مصدر ارتزاق، ولا تستنكف من وأد البنات مخافة سبي أو خشية إملاق، ولا تأبى أن تبيح اجتماع رجال على امرأة فتعد ولدها ولداً شرعياً لمن يشبهه منهم. ويقول القائل في بني حنيفة إنهم اتخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهراً ثم أكلوه في المجاعة، تعالى الله عما يفترون.
وحول تلك البيئة أمم يدينون بأديان محرفة مختلفة، فمنهم أمة تدين بالتثليث وتقول إن الثلاثة واحد، وإن ابن الله قتل ثم رفع إلى السماء وقعد في جنب أبيه. تعالى الله عما يختلقون، ويبيع لهم كهنتهم بقاعاً من الجنة وهم لأربابهم مسخرون.
ومنهم من يعتقد أن الله شيخ أشمط، قاعد على كرسيه في السماء، وحوله الأملاك يهبط إلى الصخرة ويصعد منها إلى السماء، وقد استراح يوم السبت مستلقياً على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى لنصَب أصابه من خلق الكون، تعالى عما يأفكون!!
ومنهم الصابئة عبدة الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يعتقدون أن الشمس إله كل إله، وكالحرانية الذين يرون أن الخالف واحد كثير، واحد في الأصل كثير بتكثّر الأشخاص في رأي العين... فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته وذلك بحلول ذاته أو جزء من ذاته فيها. تعالى عما يشركون.
ومنهم المجوس عبدة النار القائلون بخالقين اثنين: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر على اختلاف فرقهم بخلط وتخليط من مانوية وديصانية ومزدكية وغيرها يرون أن النور غير متناه إلا من جهة التحت حيث يلاقي الظلمة، وكان ماني رأس المانوية راهبًا بحَرّان مزج النصرانية بالمجوسية، ورئيس المزدكية هو مزدك الداعي إلى الاشتراك في الأموال والأبضاع تأسيساً للإخاء الشامل بإزالة أسباب العداء في زعمه، وقد بلغت به الوقاحة إلى حد أن يطالب قباد الساساني بتسليم الملكة له فانصاع له قباد الذي كان دان بدينه، لكن صعب ذلك على أنوشروان ابنه فانكب على رجلي مزدك يقبلهما ليعفي أمه من هذا فأعفاها، وبعد أن تولى الابن الملكَ أعمل في المزدكية السيف وقتل رئيسهم شر قتله.
ومزدك هذا هو السبب الأصلي لانهدام ذلك المجد الشامخ لآل ساسان وانهدام المجد نتيجة ضرروية للإباحة المطلقة حيثما حلت ولو بعد حين. ومِن معتقد المزدكية أن المعبود قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود الملك في العالم الأسفل.
ومن تلك الأمم الدهريون والطبعيون نفاة الصانع المحرومون من تعقُّل الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا منتهى البلاهة، وهم آفة الفضيلة في كل عصر، والمنزلون للبشر منزلة البقر في عدم التكليف.
المقالة الثالثة
---
المولد النبوي والدعوة النبوية
من علم ما كانت طوائف البشر وصلت إليه من التدهور في أبواب الاعتقاد والعمل والخُلُق قبل مولد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ثم لمح إلى ما تمَّ بيده الكريمة من الإصلاح الشامل في تلك الأبواب في مدة يسيرة بعد قيامه بالدعوة إلى الله سبحانه: ازداد تيقناً بأن الله عز وجل ما أرسله إلا ليكون رحمة للعالمين حقاً.
فها هي بيئته كانت متوغلة كل التوغل في جاهلية جهلاء ووثنية خرقاء تعبد ما تنحت، وتعتقد أن الملائكة بنات الله -تعالى عن ذلك-، ولا تترفع عن اتخاذ الغارات مصدر ارتزاق، ولا تستنكف من وأد البنات مخافة سبي أو خشية إملاق، ولا تأبى أن تبيح اجتماع رجال على امرأة فتعد ولدها ولداً شرعياً لمن يشبهه منهم. ويقول القائل في بني حنيفة إنهم اتخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهراً ثم أكلوه في المجاعة، تعالى الله عما يفترون.
وحول تلك البيئة أمم يدينون بأديان محرفة مختلفة، فمنهم أمة تدين بالتثليث وتقول إن الثلاثة واحد، وإن ابن الله قتل ثم رفع إلى السماء وقعد في جنب أبيه. تعالى الله عما يختلقون، ويبيع لهم كهنتهم بقاعاً من الجنة وهم لأربابهم مسخرون.
ومنهم من يعتقد أن الله شيخ أشمط، قاعد على كرسيه في السماء، وحوله الأملاك يهبط إلى الصخرة ويصعد منها إلى السماء، وقد استراح يوم السبت مستلقياً على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى لنصَب أصابه من خلق الكون، تعالى عما يأفكون!!
ومنهم الصابئة عبدة الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يعتقدون أن الشمس إله كل إله، وكالحرانية الذين يرون أن الخالف واحد كثير، واحد في الأصل كثير بتكثّر الأشخاص في رأي العين... فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته وذلك بحلول ذاته أو جزء من ذاته فيها. تعالى عما يشركون.
ومنهم المجوس عبدة النار القائلون بخالقين اثنين: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر على اختلاف فرقهم بخلط وتخليط من مانوية وديصانية ومزدكية وغيرها يرون أن النور غير متناه إلا من جهة التحت حيث يلاقي الظلمة، وكان ماني رأس المانوية راهبًا بحَرّان مزج النصرانية بالمجوسية، ورئيس المزدكية هو مزدك الداعي إلى الاشتراك في الأموال والأبضاع تأسيساً للإخاء الشامل بإزالة أسباب العداء في زعمه، وقد بلغت به الوقاحة إلى حد أن يطالب قباد الساساني بتسليم الملكة له فانصاع له قباد الذي كان دان بدينه، لكن صعب ذلك على أنوشروان ابنه فانكب على رجلي مزدك يقبلهما ليعفي أمه من هذا فأعفاها، وبعد أن تولى الابن الملكَ أعمل في المزدكية السيف وقتل رئيسهم شر قتله.
ومزدك هذا هو السبب الأصلي لانهدام ذلك المجد الشامخ لآل ساسان وانهدام المجد نتيجة ضرروية للإباحة المطلقة حيثما حلت ولو بعد حين. ومِن معتقد المزدكية أن المعبود قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود الملك في العالم الأسفل.
ومن تلك الأمم الدهريون والطبعيون نفاة الصانع المحرومون من تعقُّل الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا منتهى البلاهة، وهم آفة الفضيلة في كل عصر، والمنزلون للبشر منزلة البقر في عدم التكليف.