التلقيح شرح التنقيح - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
التلقيح شرح التنقيح
ثم عند المعتزلة: العقل حاكم بالحسن والقبح موجب للعلم بهما. وعندنا: الحاكم بهما هو الله تعالى، والعقل آلة للعلم بهما فيخلق الله تعالى العلم عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عقلاً، وإن كان الشيء حراماً عقلاً فتركه يكون واجباً عقلاً فيكون حسناً عقلاً. قوله: وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى لا يقال هذا مذهب الأشاعرة بعينه لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد كتاب ونبي، وعلى هذا المذهب قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى علماً ضرورياً، بهما إما بلا كسب كحسن تصديق النبي وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب كالحسن والقبح المستفادين من النظر في الأدلة وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالنبي والكتاب كأكثر أحكام الشرع.
فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً لما أثبتنا الحسن والقبح العقليين وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين المعتزلة أردنا أن نذكر بعد ذلك الخلاف بيننا وبينهم وذلك في أمرين: أحدهما أن العقل عندهم حاكم مطلق بالحسن والقبح على الله تعالى وعلى العباد. أما على الله فلأن الأصلح للعباد واجب على الله بالعقل فيكون تركه حراماً على الله، والحكم بالوجوب والحرمة يكون حكماً بالحسن والقبح ضرورة. وأما على العباد فلأن العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم ويبيحها ويحرمها من غير أن يحكم الله فيها بشيء من ذلك. وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله وهو متعال عن أن يحكم عليه غيره وعن أن يجب عليه شيء، وهو خالق أفعال العباد على ما مر جاعل بعضها حسناً وبعضها قبيحاً، وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معيّن وقضاء مبين وإحاطة بظواهرها وبواطنها وقد وضع فيها ما وضع من خير أو شر ومن نفع أو ضر ومن حسن أو قبح. وثانيهما أن العقل عندهم موجب للعلم بالحسن والقبح بطريق التوليد بأن يولد العقل العلم بالنتيجة عقيب النظر الصحيح. وعندنا العقل آلة لمعرفة بعض من ذلك إذ كثير مما يحكم الله بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شيء منه، بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل لكن البعض منه قد أوقف الله العقل عليه على أنه غير مولد للعلم بل أجرى عادته أنه خلق بعضه من غير كسب وبعضه بعد الكسب أي ترتيب العقل المقدمات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عقلاً، وإن كان الشيء حراماً عقلاً فتركه يكون واجباً عقلاً فيكون حسناً عقلاً. قوله: وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى لا يقال هذا مذهب الأشاعرة بعينه لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد كتاب ونبي، وعلى هذا المذهب قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى علماً ضرورياً، بهما إما بلا كسب كحسن تصديق النبي وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب كالحسن والقبح المستفادين من النظر في الأدلة وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالنبي والكتاب كأكثر أحكام الشرع.
فيخلق الله العلم عقيب نظر العقل نظراً صحيحاً لما أثبتنا الحسن والقبح العقليين وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين المعتزلة أردنا أن نذكر بعد ذلك الخلاف بيننا وبينهم وذلك في أمرين: أحدهما أن العقل عندهم حاكم مطلق بالحسن والقبح على الله تعالى وعلى العباد. أما على الله فلأن الأصلح للعباد واجب على الله بالعقل فيكون تركه حراماً على الله، والحكم بالوجوب والحرمة يكون حكماً بالحسن والقبح ضرورة. وأما على العباد فلأن العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم ويبيحها ويحرمها من غير أن يحكم الله فيها بشيء من ذلك. وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله وهو متعال عن أن يحكم عليه غيره وعن أن يجب عليه شيء، وهو خالق أفعال العباد على ما مر جاعل بعضها حسناً وبعضها قبيحاً، وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معيّن وقضاء مبين وإحاطة بظواهرها وبواطنها وقد وضع فيها ما وضع من خير أو شر ومن نفع أو ضر ومن حسن أو قبح. وثانيهما أن العقل عندهم موجب للعلم بالحسن والقبح بطريق التوليد بأن يولد العقل العلم بالنتيجة عقيب النظر الصحيح. وعندنا العقل آلة لمعرفة بعض من ذلك إذ كثير مما يحكم الله بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شيء منه، بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل لكن البعض منه قد أوقف الله العقل عليه على أنه غير مولد للعلم بل أجرى عادته أنه خلق بعضه من غير كسب وبعضه بعد الكسب أي ترتيب العقل المقدمات