اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

السياسة الراشدة في الدولة الماجدة

صلاح أبو الحاج
السياسة الراشدة في الدولة الماجدة - صلاح أبو الحاج

المبحثُ الخامس ركائز الحكم الرشيد

الحدائق، وذهب المولى المزبور متلطفاً لبعض أرباب المجلس، فلمّا باشروا أمر الطعام طلبوا مَن يجمع لهم الحطب، والمرحومُ قائمٌ على زي الدباغين الجهلة، فقال المفتي المزبور مشيراً الى المرحوم: ليذهب إليه هذا الجاهل، ففهم منه المرحوم ازدراءه لشأنه، وعلم أنه ليس ذلك إلا من شائبة الجهل.
وذهب إلى جمع الحطب، وفي نفسه تأثرٌ عظيمٌ من ازدرائه وتحقيره، فلما بعد عنهم نزل على ماء هنالك وتوضأ منه وصلى ركعتين، ثم ضرب وجهه على الأرض وتوجه بكمال التَّضرُّع والابتهال إلى جناب حضرة المتعال، وطلب منه الخلاص من ربقة الجهل والنقصان، واللحوق بمعاشر الفضل والعرفان، متكلاً على قوله تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة:186].
ثم قام وأخذ من الحطب ما يتحمله، وجاء إلى المجلس، وفي وجهه جراحات تدمي من شدة مسح وجهه بالتراب، فتضاحك القوم منه، وظنوا أن ذلك من مصادمة الأشجار عند الاحتطاب.
وأحسّ بداخله بالرغبة الشديدة في التعليم، فلما تمّ المجلس، قام المرحوم وقَبَّل يد المفتي، وقال: أريد ترك الصناعة، والدخول في طلب العلم، فقال المفتي: أبعد هذا تطلب العلم، وهو لا يحصل إلا بجهد جهيد، وعهد مديد، وعزم صادق، وحزم فائق، ولا بُد من خدمة الأستاذ أكثر من المعتاد، وأنت لا تتحمّل بهذه المشاق، ولا تحتمل ذلك الوثاق، فتضرّع المرحوم، وأبرم عليه في القبول إلى أن قبله المفتي لخدمته، ورضي بتعليمه.
فلما أصبح باع ما في حانوته واشترى مصحفاً وذهب إلى باب المفتي، وبدأ في القراءة، وقام في الخدمة إلى أن حَصَّل مباني العلوم، ودخل في سلك أرباب الاستعداد، وتحرك على الوجه (¬1).
¬__________
(¬1) ينظر: العقد المنظوم ص174.
المجلد
العرض
80%
تسللي / 395