تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين
اللَّه التُّستَريّ (¬1) أَنَّهُ قال: «لو كانَ في أُمَّتَي مُوسَى وعيسى مثلُ أَبي حَنيفة لَما تَهَوَّدُوا (¬2) ولَما تَنَصَّرُوا».
ومَناقبُهُ أَكثَرُ من أَن تُحصَى (¬3)، وصَنَّفَ فيها سَبطُ (¬4) بنُ الجَوزيّ (¬5) مُجَلَّدَين كَبيرَين، وسَمّاهُ: «الانتصارَ (¬6) لإمام أَئمّة الأَمصار»، وصَنَّفَ غَيرُهُ (¬7) أَكثَرَ من ذلك.
¬__________
(¬1) وهو سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري الصوفي، والتُّسْتَري: نسبة إلى تُسْتَر، وهي بلدة من كُوَر الأهواز من خوزستان، (ت: 283هـ). ينظر: وفيات2: 429 - 430، ومرآة الجنان2: 200 - 201.
(¬2) أَي لَما دامُوا على دينهم الباطل واعتقادهم العاطل، ولَم يَقبَلُوا ما أَدخَله عليهم عُلَماؤُهُم من الدَّسائس فاعمَوهُم عَمّا جاءَ به نَبيُّنا من النَّفائس، فإنَّهُم لَم يَقبَلُوا ذلك إلّا لعَقلهم الفاسد، ورأيهم الكاسد، فَلو كانَ فيهم مثلُهُ غَزيرَ العلم، ثاقبَ الفَهم، قائمًا بالصّدق، عارفًا بالحَقّ، لَرَدَّ جَميعَ ذلك، وأَنقَذَهُم من المَهالك، قَبلَ غُلُوّهم وتَمَكُّن الشُّبَه في عُقُولهم، فإنَّ كَونَهُ واحدًا منهُم يكون لكَلامه أَقبَلَ، فإنَّ الجنسَ إلى الجنس أَميَلُ، فَلا يَلزَمُ تَفضيلُهُ على نَبيّنا المُكَرَّم - صلى الله عليه وسلم -، فافهَم. رد.
(¬3) هذا من مُشكل التَّراكيب، فإنَّ ظاهرَهُ تَفضيلُ الشَّيء في الأَكثَريّة على الإحصاء، ولا مَعنَى له، ونَظائرُهُ كَثيرةٌ قَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ لإشكالها، ووُجّهَ بأوجُهٍ مُتَعَدّدة بَيَّنتُها في رسالَتي المُسَمّاة بـ «الفَوائد العَجيبة في إعراب الكَلمات الغَريبة»، أَحسَنُها ما ذَكَرَهُ الرَّضيُّ أَنَّهُ لَيسَ المُرادُ التَّفضيلَ، بَل المُرادُ البُعدُ عن الكَثرة، فَمن مُتَعَلّقة بأَفعَل التَّفضيل بمَعنَى تَجاوزَ وبايَنَ بلا تَفضيلٍ. رد.
(¬4) قيل: الأَسباطُ الأولادُ خاصّة، وقيل: أولادُ الأولاد، وقيل: أولادُ البَنات، نهاية الحَديث المَشهُور الثّالث. رد.
(¬5) وهو يوسف بن قَزَأُغْلِي بن عبد الله البغدادي التركي الحنفي، شمس الدين، أبو المظفر، سبط الحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي، من مؤلفاته: ((تفسير القرآن))، و ((شرح الجامع الكبير))، و ((منتهى السول في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -))، و ((إيثار الإنصاف في مسائل الخلاف))، و ((الانتصار لإمام أئمة الأمصار))، و ((الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح))، و ((مرآة الزمان))، (582 - 654هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 136، والنجوم7: 39، ومرآة الزمان4: 136، والأعلام9: 342.
(¬6) إنَّما سَمّاهُ بذلك؛ لأنّ الإمامَ - رضي الله عنه - لَمّا شاعَت فَضائلُهُ وعَمَّت الخافقينَ فَواضلُهُ، جَرَت عليه العادة القَديمة من إطلاق أَلسنة الحاسدينَ فيه، حَتَّى طَعَنُوا في اجتهاده وعَقيدَته بما هو مُبَرّأ منه قَطعًا لقَصد أَن يُطفئُوا نُورَ اللَّه، ويأبَى الله إلّا أَن يُتمَّ نُورَهُ، كَما تَكَلَّمَ بَعضُهُم في مالكٍ، وبَعضُهُم في الشّافعيّ، وبَعضُهُم في أَحمَدَ، بَل قَد تَكَلَّمَت فرقةٌ في أَبي بَكرٍ وعُمَرَ، وفرقةٌ في عُثمانَ وعَليٍّ، وفرقةٌ كَفَّرَت كُلَّ الصَّحابة - رضي الله عنهم -:
ومَن ذا الَّذي يَنجُو من النّاس سالمًا ... وللنّاس قالٌ بالظُّنُون وقيلُ
وممَّن انتَصَرَ للإمام - رضي الله عنه - العَلّامة السُّيُوطيّ في كتابٍ سَمّاهُ «تَبييضَ الصَّحيفة»، والعَلّامة ابنُ حَجَرٍ في كتابٍ سَمّاهُ «الخَيرات الحسانَ»، والعَلّامة يُوسُفُ بنُ عَبد الهادي الحَنبَليُّ في مُجَلَّدٍ كَبيرٍ سَمّاهُ «تَنويرَ الصَّحيفة»، وذَكَرَ فيه عن ابن عَبد البَرّ: لا تَتَكَلَّم في أَبي حَنيفة بسُوءٍ ولا تُصَدّقَنَّ أَحَدًا يُسيءُ القَولَ فيه، فإنّي واَللَّه ما رأيت أَفضَلَ، ولا أورَعَ، ولا أَفقَهَ منهُ.
ثُمَّ قال: ولا يَغتَرُّ أَحَدٌ بكَلام الخَطيب، فانَّ عندهُ العَصَبيّة الزّائدة على جَماعة من العُلَماء كأبي حَنيفة والإمام أَحمَدَ وبَعض أَصحابه، وتَحامَلَ عليهم بكُلّ وجهٍ، وصَنَّفَ فيه بَعضُهُم: «السَّهمَ المُصيبَ في كَيد الخَطيب». [وهو لعيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفي، أبي المظفر، الملك المعظم، قال ابن خلكان: كان عليّ الهمّة حازماً شجاعاً مهيباً فاضلاً جامعاً، شمل أرباب الفضائل محبّاً لهم، من مؤلفاته: «السهم المصيب في كبد الخطيب»، و «شرح الجامع الكبير»، (578 - 624هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 57 - 58، ووفيات الأعيان3: 494 - 496].
وأَمّا ابنُ الجَوزيّ فإنَّهُ تابَعَ الخَطيبَ، وقَد عَجبَ سَبطُهُ منهُ حَيثُ قال في «مرآة الزَّمان»: ولَيسَ العَجَبُ من الخَطيب، فإنَّهُ طَعَنَ في جَماعة من العُلَماء، وإنَّما العَجَبُ من الجَدّ كَيفَ سَلَكَ أُسلُوبَهُ وجاءَ بما هو أَعظَمُ. قال: ومن المُتَعَصّبينَ على أَبي حَنيفة الدّارَقُطنيّ وأَبُو نُعَيمٍ، فإنَّهُ لَم يَذكُرهُ في «الحلية»، وذَكَرَ مَن دُونَهُ في العلم والزُّهد، اهـ.
وممَّن انتَصَرَ له العارفُ الشَّعرانيُّ في «الميزان» بما يَتَعَيَّنُ مُطالَعَتُهُ.
قال في «الخَيرات الحسان»: وبفَرض صحّة ما ذَكَرَهُ الخَطيبُ من القَدح عن قائله فَلا يُعتَدُّ به، فإنَّهُ إن كانَ من غَير أَقران الإمام، فهو مُقَلّدٌ لما قاله أو كَتَبَهُ أَعداؤُهُ أو من أَقرانه فكذلك؛ لأنّ قَولَ الأَقران بَعضُهُم في بَعضٍ غَيرُ مَقبُولٍ، كَما صَرَّحَ به الذَّهَبيُّ والعَسقَلانيُّ، قالا: ولا سيَّما إذا لاحَ أَنَّهُ لعَداوةٍ أو لمَذهَبٍ؛ إذ الحَسَدُ لا يَنجُو منه إلّا مَن عَصَمَهُ الله تَعالى.
قال الذَّهَبيُّ: وما عَلمت أَنَّ عَصرًا سَلمَ أَهلُهُ من ذلك إلّا عَصرَ النَّبيّينَ ـ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ والصّدّيقينَ.
وقال التّاجُ السُّبكيُّ: يَنبَغي لَك أَيُّها المُستَرشدُ أَن تَسلُكَ سَبيلَ الأَدَب مَعَ الأَئمّة الماضينَ، ولا تَنظُرَ إلى كَلام بَعضهم في بَعضٍ إلّا إذا أَتَى ببُرهانٍ واضحٍ.
ثُمَّ إن قَدَرت على التّأويل وتَحسين الظَّنّ فَدُونَك، وإلّا فاضرب صَفحًا، فإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أَن تُصغيَ إلى ما اتَّفَقَ بَينَ أَبي حَنيفة وسُفيان الثَّوريّ، أو بَينَ مالكٍ وابن أَبي ذئبٍ، أو بَينَ أَحمَدَ بن صالحٍ والنَّسائيُّ، أو بَينَ أَحمَدَ والحارث المُحاسبيّ، وذَكَرَ كَلامَ كَثيرينَ من نُظَراء مالكٍ فيه، وكَلامَ ابن مَعينٍ في الشّافعيّ.
قال: وما مثلُ مَن تَكَلَّمَ فيهما وفي نَظائرهما إلّا كَما قال الحَسَنُ بنُ هانئٍ:
يا ناطحَ الجَبَل العالي ليُكلمَهُ ... أَشفق على الرّأس لا تُشفق على الجَبَل
اهـ مُلَخَّصًا.
وقَد أَطالَ في ذلك وفي ذكر مَن أَثنَى على الإمام من أَئمّة السَّلَف وممَّن بَعدَهُم، وما نَقَلُوهُ من سعة علمه وفَهمه وزُهده وورَعه وعبادَته واحتياطه وخَوفه، وغَير ذلك ممّا يَستَدعي مُؤَلَّفاتٍ.
وما يُنسَبُ إلى الإمام الغَزاليّ يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ في «إحيائه» المُتَواترُ عنه حَيثُ تَرجَمَ الأَئمّة الأَربَعة، وقال: وأَمّا أَبُو حَنيفة فَلَقَد كانَ أَيضًا عابدًا زاهدًا عارفًا باَللَّه تَعالى، خائفًا منهُ، مُريدًا وجهَ اللَّه تَعالى بعلمه ... إلَخ.
أَقُولُ: ولا عَجَبَ من تَكَلُّم السَّلَف في بَعضهم كَما وقَعَ للصَّحابة - رضي الله عنهم -؛ لأَنَّهُم كانُوا مُجتَهدينَ، فَيُنكرُ بَعضُهُم على مَن خالَفَ الآخَرَ سيَّما إذا قامَ عندهُ ما يَدُلُّ له على خَطأ غَيره، فَلَيسَ قَصدُهُم إلّا الانتصارُ للدّين لا لأَنفُسهم، وإنَّما العَجَبُ ممَّن يَدَّعي العلمَ في زَماننا ومأكَلُهُ ومَشرَبُهُ ومَلبَسُهُ وعُقُودُهُ وأَنكحَتُهُ وكَثيرٌ من تَعَبُّداته، يُقَلّدُ فيها الإمامَ الأَعظَمَ، ثُمَّ يَطعَنُ فيه، وفي أَصحابه، ولَيسَ مثلُهُ إلّا كَمثل ذُبابة وقَعَت تَحتَ ذَنَب جَوادٍ في حالة كَرّه وفَرّه، ولَيتَ شعري لأَيّ شَيءٍ يُصَدّقُ ما قيل في أَبي حَنيفة ولا يُصَدّقُ ما قيل في إمام مَذهَبه، ولمَ لا يُقَلّدُ إمامَ مَذهَبه في أَدَبه مَعَ هذا الإمام الجَليل؟
فَقَد نَقَلَ العُلَماءُ ثَناءَ الأَئمّة الثَّلاثة على أَبي حَنيفة وتأدُّبَهُم مَعَهُ، ولا سيَّما الإمامُ الشّافعيُّ - رضي الله عنه -، والكاملُ لا يَصدُرُ منهُ إلّا الكَمالُ، والنّاقصُ بضدّه.
ويَكفي المُعتَرضَ حرمانُهُ بَرَكة مَن يَعتَرضُ عليه، أَعاذَنا الله من ذلك، وأَدامَنا على حُبّ سائر الأَئمّة المُجتَهدينَ وجَميع عباده الصّالحينَ، وحَشَرَنا في زُمرَتهم يَومَ الدّين.
وممّا رُويَ من تأدُّبه معه أَنَّهُ قال: إنّي لأتَبَرَّكُ بأَبي حَنيفة وأَجيءُ إلى قَبره، فإذا عَرَضَت لي حاجة صَلَّيت رَكعَتَين وسألت اللَّهَ تَعالى عند قَبره فَتُقضَى سَريعًا.
وذَكَرَ بَعضُ مَن كَتَبَ على المَناهج أَنَّ الشّافعيَّ صَلَّى الصُّبحَ عند قَبره فَلَم يَقنُت، فَقيل له لمَ؟ قال: تأدُّبًا مَعَ صاحب هذا القَبر. وزادَ غَيرُهُ أَنَّهُ لَم يَجهَر بالبَسمَلة.
وأَجابُوا عن ذلك بأَنَّهُ قَد يَعرضُ للسُّنّة ما يُرَجّحُ تَركَها عند الاحتياج إلَيه كَرَغم أَنف حاسدٍ، وتَعليم جاهلٍ، ولا شَكَّ أَنَّ أَبا حَنيفة كانَ له حُسّادٌ كَثيرُونَ، والبَيانُ بالفعل أَظهَرُ منهُ بالقَول، فَما فَعَله الشّافعيُّ - رضي الله عنه - أَفضَلُ من فعل القُنُوت والجَهر.
أَقُولُ: ولا يَخفَى عَلَيك أَنَّ ذلك الطّاعنَ الأَحمَقَ طاعنٌ في إمام مَذهَبه، ولذا قال في «الميزان»: سَمعت سَيّدي عَليًّا الخَواصَّ - رضي الله عنه - مرارًا يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ على أَتباع الأَئمّة أَن يُعَظّمُوا كُلَّ مَن مَدَحَهُ إمامُهُم؛ لأنّ إمامَ المَذهَب إذا مَدَحَ عالمًا وجَبَ على جَميع أَتباعه أَن يَمدَحُوهُ تَقليدًا لإمامهم، وأَن يُنَزّهُوهُ عن القَول في دين اللَّه بالرّأي.
وقال أَيضًا: لو أَنصَفَ المُقَلّدُونَ للإمام مالكٍ والشّافعيّ لَم يُضَعّف أَحَدٌ منهُم قَولًا من أَقوال أَبي حَنيفة بَعدَ أَن سَمعُوا مَدحَ أَئمَّتهم له، ولو لَم يَكُن من التَّنويه برفعة مَقامه إلّا كَونَ الإمام الشّافعيّ - رضي الله عنه - تَرَكَ القُنُوتَ في الصُّبح لَمّا صَلَّى عند قَبره لَكانَ فيه كفاية في لُزُوم أَدَب مُقَلّديه مَعَهُ. اهـ. رد.
(¬7) كالإمام الطَّحاويّ والحافظ الذَّهَبيّ والكَردَريّ وغَيرهم ممَّن قَدَّمناهُم.
ومَناقبُهُ أَكثَرُ من أَن تُحصَى (¬3)، وصَنَّفَ فيها سَبطُ (¬4) بنُ الجَوزيّ (¬5) مُجَلَّدَين كَبيرَين، وسَمّاهُ: «الانتصارَ (¬6) لإمام أَئمّة الأَمصار»، وصَنَّفَ غَيرُهُ (¬7) أَكثَرَ من ذلك.
¬__________
(¬1) وهو سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري الصوفي، والتُّسْتَري: نسبة إلى تُسْتَر، وهي بلدة من كُوَر الأهواز من خوزستان، (ت: 283هـ). ينظر: وفيات2: 429 - 430، ومرآة الجنان2: 200 - 201.
(¬2) أَي لَما دامُوا على دينهم الباطل واعتقادهم العاطل، ولَم يَقبَلُوا ما أَدخَله عليهم عُلَماؤُهُم من الدَّسائس فاعمَوهُم عَمّا جاءَ به نَبيُّنا من النَّفائس، فإنَّهُم لَم يَقبَلُوا ذلك إلّا لعَقلهم الفاسد، ورأيهم الكاسد، فَلو كانَ فيهم مثلُهُ غَزيرَ العلم، ثاقبَ الفَهم، قائمًا بالصّدق، عارفًا بالحَقّ، لَرَدَّ جَميعَ ذلك، وأَنقَذَهُم من المَهالك، قَبلَ غُلُوّهم وتَمَكُّن الشُّبَه في عُقُولهم، فإنَّ كَونَهُ واحدًا منهُم يكون لكَلامه أَقبَلَ، فإنَّ الجنسَ إلى الجنس أَميَلُ، فَلا يَلزَمُ تَفضيلُهُ على نَبيّنا المُكَرَّم - صلى الله عليه وسلم -، فافهَم. رد.
(¬3) هذا من مُشكل التَّراكيب، فإنَّ ظاهرَهُ تَفضيلُ الشَّيء في الأَكثَريّة على الإحصاء، ولا مَعنَى له، ونَظائرُهُ كَثيرةٌ قَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ لإشكالها، ووُجّهَ بأوجُهٍ مُتَعَدّدة بَيَّنتُها في رسالَتي المُسَمّاة بـ «الفَوائد العَجيبة في إعراب الكَلمات الغَريبة»، أَحسَنُها ما ذَكَرَهُ الرَّضيُّ أَنَّهُ لَيسَ المُرادُ التَّفضيلَ، بَل المُرادُ البُعدُ عن الكَثرة، فَمن مُتَعَلّقة بأَفعَل التَّفضيل بمَعنَى تَجاوزَ وبايَنَ بلا تَفضيلٍ. رد.
(¬4) قيل: الأَسباطُ الأولادُ خاصّة، وقيل: أولادُ الأولاد، وقيل: أولادُ البَنات، نهاية الحَديث المَشهُور الثّالث. رد.
(¬5) وهو يوسف بن قَزَأُغْلِي بن عبد الله البغدادي التركي الحنفي، شمس الدين، أبو المظفر، سبط الحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي، من مؤلفاته: ((تفسير القرآن))، و ((شرح الجامع الكبير))، و ((منتهى السول في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -))، و ((إيثار الإنصاف في مسائل الخلاف))، و ((الانتصار لإمام أئمة الأمصار))، و ((الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح))، و ((مرآة الزمان))، (582 - 654هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 136، والنجوم7: 39، ومرآة الزمان4: 136، والأعلام9: 342.
(¬6) إنَّما سَمّاهُ بذلك؛ لأنّ الإمامَ - رضي الله عنه - لَمّا شاعَت فَضائلُهُ وعَمَّت الخافقينَ فَواضلُهُ، جَرَت عليه العادة القَديمة من إطلاق أَلسنة الحاسدينَ فيه، حَتَّى طَعَنُوا في اجتهاده وعَقيدَته بما هو مُبَرّأ منه قَطعًا لقَصد أَن يُطفئُوا نُورَ اللَّه، ويأبَى الله إلّا أَن يُتمَّ نُورَهُ، كَما تَكَلَّمَ بَعضُهُم في مالكٍ، وبَعضُهُم في الشّافعيّ، وبَعضُهُم في أَحمَدَ، بَل قَد تَكَلَّمَت فرقةٌ في أَبي بَكرٍ وعُمَرَ، وفرقةٌ في عُثمانَ وعَليٍّ، وفرقةٌ كَفَّرَت كُلَّ الصَّحابة - رضي الله عنهم -:
ومَن ذا الَّذي يَنجُو من النّاس سالمًا ... وللنّاس قالٌ بالظُّنُون وقيلُ
وممَّن انتَصَرَ للإمام - رضي الله عنه - العَلّامة السُّيُوطيّ في كتابٍ سَمّاهُ «تَبييضَ الصَّحيفة»، والعَلّامة ابنُ حَجَرٍ في كتابٍ سَمّاهُ «الخَيرات الحسانَ»، والعَلّامة يُوسُفُ بنُ عَبد الهادي الحَنبَليُّ في مُجَلَّدٍ كَبيرٍ سَمّاهُ «تَنويرَ الصَّحيفة»، وذَكَرَ فيه عن ابن عَبد البَرّ: لا تَتَكَلَّم في أَبي حَنيفة بسُوءٍ ولا تُصَدّقَنَّ أَحَدًا يُسيءُ القَولَ فيه، فإنّي واَللَّه ما رأيت أَفضَلَ، ولا أورَعَ، ولا أَفقَهَ منهُ.
ثُمَّ قال: ولا يَغتَرُّ أَحَدٌ بكَلام الخَطيب، فانَّ عندهُ العَصَبيّة الزّائدة على جَماعة من العُلَماء كأبي حَنيفة والإمام أَحمَدَ وبَعض أَصحابه، وتَحامَلَ عليهم بكُلّ وجهٍ، وصَنَّفَ فيه بَعضُهُم: «السَّهمَ المُصيبَ في كَيد الخَطيب». [وهو لعيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفي، أبي المظفر، الملك المعظم، قال ابن خلكان: كان عليّ الهمّة حازماً شجاعاً مهيباً فاضلاً جامعاً، شمل أرباب الفضائل محبّاً لهم، من مؤلفاته: «السهم المصيب في كبد الخطيب»، و «شرح الجامع الكبير»، (578 - 624هـ). ينظر: مرآة الجنان4: 57 - 58، ووفيات الأعيان3: 494 - 496].
وأَمّا ابنُ الجَوزيّ فإنَّهُ تابَعَ الخَطيبَ، وقَد عَجبَ سَبطُهُ منهُ حَيثُ قال في «مرآة الزَّمان»: ولَيسَ العَجَبُ من الخَطيب، فإنَّهُ طَعَنَ في جَماعة من العُلَماء، وإنَّما العَجَبُ من الجَدّ كَيفَ سَلَكَ أُسلُوبَهُ وجاءَ بما هو أَعظَمُ. قال: ومن المُتَعَصّبينَ على أَبي حَنيفة الدّارَقُطنيّ وأَبُو نُعَيمٍ، فإنَّهُ لَم يَذكُرهُ في «الحلية»، وذَكَرَ مَن دُونَهُ في العلم والزُّهد، اهـ.
وممَّن انتَصَرَ له العارفُ الشَّعرانيُّ في «الميزان» بما يَتَعَيَّنُ مُطالَعَتُهُ.
قال في «الخَيرات الحسان»: وبفَرض صحّة ما ذَكَرَهُ الخَطيبُ من القَدح عن قائله فَلا يُعتَدُّ به، فإنَّهُ إن كانَ من غَير أَقران الإمام، فهو مُقَلّدٌ لما قاله أو كَتَبَهُ أَعداؤُهُ أو من أَقرانه فكذلك؛ لأنّ قَولَ الأَقران بَعضُهُم في بَعضٍ غَيرُ مَقبُولٍ، كَما صَرَّحَ به الذَّهَبيُّ والعَسقَلانيُّ، قالا: ولا سيَّما إذا لاحَ أَنَّهُ لعَداوةٍ أو لمَذهَبٍ؛ إذ الحَسَدُ لا يَنجُو منه إلّا مَن عَصَمَهُ الله تَعالى.
قال الذَّهَبيُّ: وما عَلمت أَنَّ عَصرًا سَلمَ أَهلُهُ من ذلك إلّا عَصرَ النَّبيّينَ ـ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ والصّدّيقينَ.
وقال التّاجُ السُّبكيُّ: يَنبَغي لَك أَيُّها المُستَرشدُ أَن تَسلُكَ سَبيلَ الأَدَب مَعَ الأَئمّة الماضينَ، ولا تَنظُرَ إلى كَلام بَعضهم في بَعضٍ إلّا إذا أَتَى ببُرهانٍ واضحٍ.
ثُمَّ إن قَدَرت على التّأويل وتَحسين الظَّنّ فَدُونَك، وإلّا فاضرب صَفحًا، فإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أَن تُصغيَ إلى ما اتَّفَقَ بَينَ أَبي حَنيفة وسُفيان الثَّوريّ، أو بَينَ مالكٍ وابن أَبي ذئبٍ، أو بَينَ أَحمَدَ بن صالحٍ والنَّسائيُّ، أو بَينَ أَحمَدَ والحارث المُحاسبيّ، وذَكَرَ كَلامَ كَثيرينَ من نُظَراء مالكٍ فيه، وكَلامَ ابن مَعينٍ في الشّافعيّ.
قال: وما مثلُ مَن تَكَلَّمَ فيهما وفي نَظائرهما إلّا كَما قال الحَسَنُ بنُ هانئٍ:
يا ناطحَ الجَبَل العالي ليُكلمَهُ ... أَشفق على الرّأس لا تُشفق على الجَبَل
اهـ مُلَخَّصًا.
وقَد أَطالَ في ذلك وفي ذكر مَن أَثنَى على الإمام من أَئمّة السَّلَف وممَّن بَعدَهُم، وما نَقَلُوهُ من سعة علمه وفَهمه وزُهده وورَعه وعبادَته واحتياطه وخَوفه، وغَير ذلك ممّا يَستَدعي مُؤَلَّفاتٍ.
وما يُنسَبُ إلى الإمام الغَزاليّ يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ في «إحيائه» المُتَواترُ عنه حَيثُ تَرجَمَ الأَئمّة الأَربَعة، وقال: وأَمّا أَبُو حَنيفة فَلَقَد كانَ أَيضًا عابدًا زاهدًا عارفًا باَللَّه تَعالى، خائفًا منهُ، مُريدًا وجهَ اللَّه تَعالى بعلمه ... إلَخ.
أَقُولُ: ولا عَجَبَ من تَكَلُّم السَّلَف في بَعضهم كَما وقَعَ للصَّحابة - رضي الله عنهم -؛ لأَنَّهُم كانُوا مُجتَهدينَ، فَيُنكرُ بَعضُهُم على مَن خالَفَ الآخَرَ سيَّما إذا قامَ عندهُ ما يَدُلُّ له على خَطأ غَيره، فَلَيسَ قَصدُهُم إلّا الانتصارُ للدّين لا لأَنفُسهم، وإنَّما العَجَبُ ممَّن يَدَّعي العلمَ في زَماننا ومأكَلُهُ ومَشرَبُهُ ومَلبَسُهُ وعُقُودُهُ وأَنكحَتُهُ وكَثيرٌ من تَعَبُّداته، يُقَلّدُ فيها الإمامَ الأَعظَمَ، ثُمَّ يَطعَنُ فيه، وفي أَصحابه، ولَيسَ مثلُهُ إلّا كَمثل ذُبابة وقَعَت تَحتَ ذَنَب جَوادٍ في حالة كَرّه وفَرّه، ولَيتَ شعري لأَيّ شَيءٍ يُصَدّقُ ما قيل في أَبي حَنيفة ولا يُصَدّقُ ما قيل في إمام مَذهَبه، ولمَ لا يُقَلّدُ إمامَ مَذهَبه في أَدَبه مَعَ هذا الإمام الجَليل؟
فَقَد نَقَلَ العُلَماءُ ثَناءَ الأَئمّة الثَّلاثة على أَبي حَنيفة وتأدُّبَهُم مَعَهُ، ولا سيَّما الإمامُ الشّافعيُّ - رضي الله عنه -، والكاملُ لا يَصدُرُ منهُ إلّا الكَمالُ، والنّاقصُ بضدّه.
ويَكفي المُعتَرضَ حرمانُهُ بَرَكة مَن يَعتَرضُ عليه، أَعاذَنا الله من ذلك، وأَدامَنا على حُبّ سائر الأَئمّة المُجتَهدينَ وجَميع عباده الصّالحينَ، وحَشَرَنا في زُمرَتهم يَومَ الدّين.
وممّا رُويَ من تأدُّبه معه أَنَّهُ قال: إنّي لأتَبَرَّكُ بأَبي حَنيفة وأَجيءُ إلى قَبره، فإذا عَرَضَت لي حاجة صَلَّيت رَكعَتَين وسألت اللَّهَ تَعالى عند قَبره فَتُقضَى سَريعًا.
وذَكَرَ بَعضُ مَن كَتَبَ على المَناهج أَنَّ الشّافعيَّ صَلَّى الصُّبحَ عند قَبره فَلَم يَقنُت، فَقيل له لمَ؟ قال: تأدُّبًا مَعَ صاحب هذا القَبر. وزادَ غَيرُهُ أَنَّهُ لَم يَجهَر بالبَسمَلة.
وأَجابُوا عن ذلك بأَنَّهُ قَد يَعرضُ للسُّنّة ما يُرَجّحُ تَركَها عند الاحتياج إلَيه كَرَغم أَنف حاسدٍ، وتَعليم جاهلٍ، ولا شَكَّ أَنَّ أَبا حَنيفة كانَ له حُسّادٌ كَثيرُونَ، والبَيانُ بالفعل أَظهَرُ منهُ بالقَول، فَما فَعَله الشّافعيُّ - رضي الله عنه - أَفضَلُ من فعل القُنُوت والجَهر.
أَقُولُ: ولا يَخفَى عَلَيك أَنَّ ذلك الطّاعنَ الأَحمَقَ طاعنٌ في إمام مَذهَبه، ولذا قال في «الميزان»: سَمعت سَيّدي عَليًّا الخَواصَّ - رضي الله عنه - مرارًا يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ على أَتباع الأَئمّة أَن يُعَظّمُوا كُلَّ مَن مَدَحَهُ إمامُهُم؛ لأنّ إمامَ المَذهَب إذا مَدَحَ عالمًا وجَبَ على جَميع أَتباعه أَن يَمدَحُوهُ تَقليدًا لإمامهم، وأَن يُنَزّهُوهُ عن القَول في دين اللَّه بالرّأي.
وقال أَيضًا: لو أَنصَفَ المُقَلّدُونَ للإمام مالكٍ والشّافعيّ لَم يُضَعّف أَحَدٌ منهُم قَولًا من أَقوال أَبي حَنيفة بَعدَ أَن سَمعُوا مَدحَ أَئمَّتهم له، ولو لَم يَكُن من التَّنويه برفعة مَقامه إلّا كَونَ الإمام الشّافعيّ - رضي الله عنه - تَرَكَ القُنُوتَ في الصُّبح لَمّا صَلَّى عند قَبره لَكانَ فيه كفاية في لُزُوم أَدَب مُقَلّديه مَعَهُ. اهـ. رد.
(¬7) كالإمام الطَّحاويّ والحافظ الذَّهَبيّ والكَردَريّ وغَيرهم ممَّن قَدَّمناهُم.