تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين
والحاصلُ أَنَّ أَبا حَنيفة النُّعمانَ من أَعظَم مُعجزات (¬1) المُصطَفَى بَعدَ القُرآن (¬2)، وحَسبُك من مَناقبه اشتهارُ مَذهَبه (¬3) ما قال قَولًا (¬4) إلّا أَخَذَ به إمامٌ (¬5)
¬__________
(¬1) لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَد أَخبَرَ به قَبلَ وُجُوده بالأَحاديث الصَّحيحة الَّتي قَدَّمناها، فإنَّها مَحمُولة عليه بلا شَكٍّ، كَما قَدَّمناهُ عن الشّاميّ صاحب «السّيرة» وشَيخه السُّيُوطيّ، كَما حُملَ حَديثُ: «لا تَسُبُّوا قُرَيشًا، فإنَّ عالمَها يَملأ الأَرضَ علمًا» [في مسند الشاشي 2: 169، ومسند الطيالسي 1: 39 وغيرها] على الإمام الشّافعيّ، لَكن حَمَله بَعضُهُم على ابن عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وهو حَقيقٌ بذلك، فإنَّهُ حَبرُ الأُمّة وتُرجُمانُ القُرآن، وكَما حُملَ حَديثُ: «يُوشكُ أَن يَضربَ النّاسُ أَكبادَ الإبل يَطلُبُونَ العلمَ فَلا يَجدُونَ أَعلَمَ من عالم المَدينة» [في صحيح ابن حبان 9: 53، والمستدرك 1: 163 وصححه، وجامع الترمذي 5: 47، وحسنه، ومسند أحمد 2: 299، وغيرهم] على الإمام مالكٍ، لَكنَّهُ مُحتَملٌ لغَيره من عُلَماء المَدينة المُنفَردينَ في زَمَنهم، بخلاف تلكَ الأَحاديث، فإنَّها لَيسَ لَها مَحمَلٌ إلّا أَبُو حَنيفة وأَصحابُهُ كَما أَفادَهُ، «ط».
وأَمّا سَلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه -، فهو وإن كانَ أَفضَلَ من أَبي حَنيفة - رضي الله عنه - من حَيثُ الصُّحبة، فَلَم يَكُن في العلم والاجتهاد ونَشر الدّين وتَدوين أَحكامه كأبي حَنيفة - رضي الله عنه -، وقَد يُوجَدُ في المَفضُول ما لا يُوجَدُ في الفاضل.
وسُمّيَ ذلك مُعجزة بناءً على أَنَّ المُرادَ بالتَّحَدّي في تَعريف المُعجزة هو دَعوى الرّسالة، وهو قَولُ المُحَقّقينَ، كَما في «المَواهب»، وقيل: المُرادُ به طَلَبُ المُعارَضة والمُقابَلة، وعليه فذلك كَرامة لا مُعجزة، فافهَم. رد.
(¬2) مُتَعَلّقٌ بأَعظَمَ: أَي لأَنَّهُ أَعظَمُ المُعجزات على الإطلاق؛ لأَنَّهُ مُعجزةٌ مُستَمرّةٌ، دائمةُ الإعجاز، وقَيَّدَ بذلك وإن عَبَّرَ بمَن التَّبعيضيّة؛ لئَلّا يُتَوهَّمَ مُساواةُ هَذه المُعجزة لتلكَ، فإنَّ المُشارَكة في الأَعظَميّة تَصدُقُ بالمُساواة، فَتَدَبَّر. رد.
(¬3) أَي في عامّة بلاد الإسلام، بَل في كَثيرٍ من الأَقاليم والبلاد لا يُعرَفُ إلّا مَذهَبُهُ، كَبلاد الرُّوم والهند والسّند وما وراءَ النَّهر وسَمَرقَندَ، وقد نُقلَ أَنَّ فيها تُربة المُحَمَّدينَ، دُفنَ فيها نَحوٌ من أَربَعمائة نَفسٍ كُلٌّ منهُم يُقالُ له: مُحَمَّدٌ، صَنَّفَ وأَفتَى وأَخَذَ عنه الجَمُّ الغَفيرُ. ولَمّا ماتَ صاحبُ «الهداية» مَنَعُوا دَفنَهُ بها فَدُفنَ بقُربها. ورُويَ أَنَّهُ نَقَلَ مَذهَبَهُ نَحوٌ من أَربَعة آلاف نَفَرٍ، ولا بُدَّ أَن يَكُونَ لكُلٍّ أَصحابٌ وهَلُمَّ جَرّا. وقال ابنُ حَجَرٍ: قال بَعضُ الأَئمّة: لَم يَظهَر لأَحَدٍ من أَئمّة الإسلام المَشهُورينَ مثلُ ما ظَهَرَ لأَبي حَنيفة من الأَصحاب والتَّلاميذ، ولَم يَنتَفع العُلَماءُ وجَميعُ النّاس بمثل ما انتَفَعُوا به وبأَصحابه، في تَفسير الأَحاديث المُشتَبهة، والمَسائل المُستَنبَطة، والنَّوازل والقَضايا والأَحكام، جَزاهُم الله تَعالى الخَيرَ التّامَّ. وقَد ذَكَرَ منهُم بَعضُ المُتأخّرينَ المُحَدِّثينَ في تَرجَمَته ثَمانَمائة مَعَ ضَبط أَسمائهم ونَسَبهم بما يَطُولُ ذكرُهُ. اهـ. رد.
(¬4) أَي سَواءٌ ثَبَتَ عليه أو رَجَعَ عنه ط. رد.
(¬5) أَي من أَصحابه تَبَعًا له، فإنَّ أَقوالهم مَرويّة عنه، كَما سَيأتي، أو من غَيرهم من المُجتَهدينَ مُوافَقةً في اجتهاده؛ لأنّ المُجتَهدَ لا يُقَلّدُ مُجتَهدًا أَفادَهُ، «ط». رد.
¬__________
(¬1) لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَد أَخبَرَ به قَبلَ وُجُوده بالأَحاديث الصَّحيحة الَّتي قَدَّمناها، فإنَّها مَحمُولة عليه بلا شَكٍّ، كَما قَدَّمناهُ عن الشّاميّ صاحب «السّيرة» وشَيخه السُّيُوطيّ، كَما حُملَ حَديثُ: «لا تَسُبُّوا قُرَيشًا، فإنَّ عالمَها يَملأ الأَرضَ علمًا» [في مسند الشاشي 2: 169، ومسند الطيالسي 1: 39 وغيرها] على الإمام الشّافعيّ، لَكن حَمَله بَعضُهُم على ابن عَبّاسٍ - رضي الله عنهم -، وهو حَقيقٌ بذلك، فإنَّهُ حَبرُ الأُمّة وتُرجُمانُ القُرآن، وكَما حُملَ حَديثُ: «يُوشكُ أَن يَضربَ النّاسُ أَكبادَ الإبل يَطلُبُونَ العلمَ فَلا يَجدُونَ أَعلَمَ من عالم المَدينة» [في صحيح ابن حبان 9: 53، والمستدرك 1: 163 وصححه، وجامع الترمذي 5: 47، وحسنه، ومسند أحمد 2: 299، وغيرهم] على الإمام مالكٍ، لَكنَّهُ مُحتَملٌ لغَيره من عُلَماء المَدينة المُنفَردينَ في زَمَنهم، بخلاف تلكَ الأَحاديث، فإنَّها لَيسَ لَها مَحمَلٌ إلّا أَبُو حَنيفة وأَصحابُهُ كَما أَفادَهُ، «ط».
وأَمّا سَلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه -، فهو وإن كانَ أَفضَلَ من أَبي حَنيفة - رضي الله عنه - من حَيثُ الصُّحبة، فَلَم يَكُن في العلم والاجتهاد ونَشر الدّين وتَدوين أَحكامه كأبي حَنيفة - رضي الله عنه -، وقَد يُوجَدُ في المَفضُول ما لا يُوجَدُ في الفاضل.
وسُمّيَ ذلك مُعجزة بناءً على أَنَّ المُرادَ بالتَّحَدّي في تَعريف المُعجزة هو دَعوى الرّسالة، وهو قَولُ المُحَقّقينَ، كَما في «المَواهب»، وقيل: المُرادُ به طَلَبُ المُعارَضة والمُقابَلة، وعليه فذلك كَرامة لا مُعجزة، فافهَم. رد.
(¬2) مُتَعَلّقٌ بأَعظَمَ: أَي لأَنَّهُ أَعظَمُ المُعجزات على الإطلاق؛ لأَنَّهُ مُعجزةٌ مُستَمرّةٌ، دائمةُ الإعجاز، وقَيَّدَ بذلك وإن عَبَّرَ بمَن التَّبعيضيّة؛ لئَلّا يُتَوهَّمَ مُساواةُ هَذه المُعجزة لتلكَ، فإنَّ المُشارَكة في الأَعظَميّة تَصدُقُ بالمُساواة، فَتَدَبَّر. رد.
(¬3) أَي في عامّة بلاد الإسلام، بَل في كَثيرٍ من الأَقاليم والبلاد لا يُعرَفُ إلّا مَذهَبُهُ، كَبلاد الرُّوم والهند والسّند وما وراءَ النَّهر وسَمَرقَندَ، وقد نُقلَ أَنَّ فيها تُربة المُحَمَّدينَ، دُفنَ فيها نَحوٌ من أَربَعمائة نَفسٍ كُلٌّ منهُم يُقالُ له: مُحَمَّدٌ، صَنَّفَ وأَفتَى وأَخَذَ عنه الجَمُّ الغَفيرُ. ولَمّا ماتَ صاحبُ «الهداية» مَنَعُوا دَفنَهُ بها فَدُفنَ بقُربها. ورُويَ أَنَّهُ نَقَلَ مَذهَبَهُ نَحوٌ من أَربَعة آلاف نَفَرٍ، ولا بُدَّ أَن يَكُونَ لكُلٍّ أَصحابٌ وهَلُمَّ جَرّا. وقال ابنُ حَجَرٍ: قال بَعضُ الأَئمّة: لَم يَظهَر لأَحَدٍ من أَئمّة الإسلام المَشهُورينَ مثلُ ما ظَهَرَ لأَبي حَنيفة من الأَصحاب والتَّلاميذ، ولَم يَنتَفع العُلَماءُ وجَميعُ النّاس بمثل ما انتَفَعُوا به وبأَصحابه، في تَفسير الأَحاديث المُشتَبهة، والمَسائل المُستَنبَطة، والنَّوازل والقَضايا والأَحكام، جَزاهُم الله تَعالى الخَيرَ التّامَّ. وقَد ذَكَرَ منهُم بَعضُ المُتأخّرينَ المُحَدِّثينَ في تَرجَمَته ثَمانَمائة مَعَ ضَبط أَسمائهم ونَسَبهم بما يَطُولُ ذكرُهُ. اهـ. رد.
(¬4) أَي سَواءٌ ثَبَتَ عليه أو رَجَعَ عنه ط. رد.
(¬5) أَي من أَصحابه تَبَعًا له، فإنَّ أَقوالهم مَرويّة عنه، كَما سَيأتي، أو من غَيرهم من المُجتَهدينَ مُوافَقةً في اجتهاده؛ لأنّ المُجتَهدَ لا يُقَلّدُ مُجتَهدًا أَفادَهُ، «ط». رد.