اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين

صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج

تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين

من الأَئمّة الأَعلام (¬1)، وقَد جَعَلَ اللهُ الحُكمَ لأَصحابه وأَتباعه من زَمَنه إلى هَذه الأَيّام، إلى أَن يَحكُمَ بمَذهَبه عيسَى - عليه السلام - (¬2).
¬__________
(¬1) فالدَّولة العَبّاسيّة وإن كانَ مَذهَبُهُم مَذهَبَ جَدّهم، فأكثَرُ قُضاتها ومَشايخ إسلامها حَنَفيّة، يَظهَرُ ذلك لمَن تَصَفَّحَ كُتُبَ التَّواريخ، وكانَ مُدّة مُلكهم خَمسَمائة سَنة تَقريبًا.
وأَمّا المُلُوكُ السَّلجُوقيُّونَ وبَعدَهُم الخَوارزميُّونَ، فَكُلُّهُم حَنَفيُّونَ وقُضاةُ مَمالكهم غالبُها حَنَفيّة.
وأَمّا مُلُوكُ زَماننا سَلاطينُ آل عُثمانَ، أَيَّدَ الله تَعالى دَولَتَهُم ما كَرَّ الجَديدان، فَمن تاريخ تسعمائة إلى يَومنا هذا لا يُولُّونَ القَضاءَ وسائرَ مَناصبهم إلّا للحَنَفيّة، قاله بَعضُ الفُضَلاء، ولَيسَ في كَلام الشّارح ادّعاءُ التَّخصيص في جَميع الأَماكن والأَزمان، حَتَّى يَردَ أَنَّ القَضاءَ بمصرَ كانَ مُختَصًّا بمَذهَب الإمام الشّافعيّ إلى زَمَن الظّاهر بيبَرسَ البندقداري فافهَم. رد.
(¬2) تَبعَ فيه القُهُستانيَّ، وكأنَّهُ أَخَذَهُ ممّا ذَكَرَهُ أَهلُ الكَشف أَنَّ مَذهَبَهُ آخرُ المَذاهب انقطاعًا، فَقَد قال الإمامُ الشَّعرانيُّ في «الميزان» ما نَصُّهُ: قَد تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلَيَّ بالاطّلاع على عَين الشَّريعة رأيت المَذاهبَ كُلَّها مُتَّصلة بها، ورأيت مَذاهبَ الأَئمّة الأَربَعة تَجري جَداولُها كُلُّها، ورأيت جَميعَ المَذاهب الَّتي اندَرَسَت قَد استَحالَت حجارة، ورأيت أَطولَ الأَئمّة جَدولًا الإمامَ أَبا حَنيفة، ويَليه الإمامُ مالكٌ، ويَليه الإمامُ الشّافعيُّ، ويَليه الإمامُ أَحمَدُ، وأَقصَرُهُم جَدولًا الإمامُ داوُد، وقَد انقَرَضَ في القَرن الخامس، فأولت ذلك بطُول زَمَن العَمَل بمَذاهبهم وقصَره، فَكَما كانَ مَذهَبُ الإمام أَبي حَنيفة أَولَ المَذاهب المُدَونة، فَكَذلك يكون آخرَها انقراضًا، وبذلك قال أَهلُ الكَشف، اهـ، لَكن لا دَليلَ في ذلك.
على أَنَّ نَبيَّ اللَّه عيسَى على نَبيّنا وعليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يَحكُمُ بمَذهَب أَبي حَنيفة، وإن كانَ العُلَماءُ مَوجُودينَ في زَمَنه فَلا بُدَّ له من دَليلٍ، ولهذا قال الحافظُ السُّيُوطيّ في رسالة سَمّاها «الإعلامَ» ما حاصلُهُ: إنَّ ما يُقالُ: إنَّهُ يَحكُمُ بمَذهَبٍ من المَذاهب الأَربَعة باطلٌ لا أَصلَ له، وكَيفَ يُظَنُّ بنَبيٍّ أَنَّهُ يُقَلّدُ مُجتَهدًا مَعَ أَنَّ المُجتَهدَ من آحاد هذه الأَئمّة لا يَجُوزُ له التَّقليدُ، وإنَّما يَحكُمُ بالاجتهاد، أو بما كانَ يَعلَمُهُ قَبلُ من شَريعَتنا بالوحي، أو بما تَعَلَّمَهُ منها، وهو في السَّماء، أو أَنَّهُ يَنظُرُ في القُرآن، فَيَفهَمُ منهُ كَما كانَ يَفهَمُ نَبيُّنا - عليه السلام -، اهـ، واقتَصَرَ السُّبكيُّ على الأَخير.
وذَكَرَ مُنلا عَليّ القاري أَنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ العَسقَلانيَّ سُئلَ هَل يَنزلُ عيسَى - عليه السلام - حافظًا للقُرآن والسُّنّة أو يَتَلَقّاهُما عن عُلَماء ذلك الزَّمان؟
فأجابَ: لَم يُنقَل في ذلك شَيءٌ صَريحٌ، واَلَّذي يَليقُ بمَقامه - عليه السلام - أَنَّهُ يَتَلَقَّى ذلك عن رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فَيَحكُمُ في أُمَّته كَما تَلَقّاهُ منه؛ لأَنَّهُ في الحَقيقة خَليفة عنه، اهـ.
وما يُقالُ: إنَّ الإمامَ المَهديَّ يُقَلّدُ أَبا حَنيفة، رَدَّهُ مُنلا على القاري في رسالَته «المَشرَبُ الورديُّ في مَذهَب المَهديّ»، وقَرَّرَ فيها أَنَّهُ مُجتَهدٌ مُطلَقٌ، ورَدَّ فيها ما وضَعَهُ بَعضُ الكَذّابينَ من قصّة طَويلة.
حاصلُها: أَنَّ الخَضرَ - عليه السلام - تَعَلَّمَ من أَبي حَنيفة الأَحكامَ الشَّرعيّة، ثُمَّ عَلَّمَها للإمام أَبي القاسم القُشَيريّ، وأَنَّ القُشَيريّ صَنَّفَ فيها كُتُبًا وضَعَها في صُندُوقٍ، وأَمَرَ بَعضَ مُريديه بإلقائه في جَيحُونَ، وأَنَّ عيسَى - عليه السلام - بَعدَ نُزُوله يُخرجُهُ من جَيحُونَ ويَحكُمُ بما فيه، وهذا كَلامٌ باطلٌ لا أَصلَ له، ولا تَجُوزُ حكايَتُهُ إلّا لرَدّه كَما أوضَحَهُ، «ط»، وأَطالَ في رَدّه وإبطاله فَراجعهُ. رد.
المجلد
العرض
60%
تسللي / 84