تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين - صلاح أبو الحاج
تهذيب وتعليق لمقدمة حاشية ابن عابدين
والفُتيا (¬1) بالقَول المَرجُوح (¬2) جَهلٌ وخَرقٌ للإجماع، وأَنَّ الحُكمَ المُلَفَّقَ (¬3) باطلٌ بالإجماع، وأَنَّ الرُّجُوعَ (¬4) عن التَّقليد بَعدَ العَمَل باطلٌ اتّفاقًا، وهو المُختارُ في
¬__________
(¬1) وكذا العَمَلُ به لنَفسه، قال العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في رسالَته «العقد الفَريد في جَواز التَّقليد»: مُقتَضَى مَذهَب الشّافعيّ كَما قاله السُّبكيُّ مَنعُ العَمَل بالقَول المَرجُوح في القَضاء والإفتاء دُونَ العَمَل لنَفسه.
مَطلَبُ: لا يَجُوزُ العَمَلُ بالضَّعيف حَتَّى لنَفسه عندنا:
ومَذهَبُ الحَنَفيّة المَنعُ عن المَرجُوح حَتَّى لنَفسه لكَون المَرجُوع صارَ مَنسُوخًا اهـ فَليُحفَظ، وقَيَّدَهُ البيريُّ بالعامّيّ أَي الَّذي لا رأيَ له يَعرفُ به مَعنَى النُّصُوص حَيثُ قال: هَل يَجُوزُ للإنسان العَمَلُ بالضَّعيف من الرّواية في حَقّ نَفسه، نَعَم إذا كانَ له رأيٌ، أَمّا إذا كانَ عامّيًّا فَلَم أَرَهُ، لَكن مُقتَضَى تَقييده بذي الرّأي أَنَّهُ لا يَجُوزُ للعامّيّ ذلك.
قال في «خزانة الرّوايات»: العالمُ الَّذي يَعرفُ مَعنَى النُّصُوص والأَخبار، وهو من أَهل الدّراية يَجُوزُ له أَن يَعمَلَ عليها، وإن كانَ مُخالفًا لمَذهَبه، اهـ.
قُلت: لَكن هذا في غَير مَوضع الضَّرُورة، فَقَد ذَكَرَ في (حَيض) «البَحر» في بَحث أَلوان الدّماء أَقوالًا ضَعيفة، ثُمَّ قال: وفي «المعراج» عن فَخر الأَئمّة: لو أَفتَى مُفتٍ بشَيءٍ من هَذه الأَقوال في مَواضع الضَّرُورة طَلَبًا للتَّيسير كانَ حَسَنًا، اهـ. وكذا قَولُ أَبي يُوسُفَ في المَنيّ إذا خَرَجَ بَعدَ فُتُور الشَّهوة لا يَجبُ به الغَسلُ ضَعيفٌ، وأَجازُوا العَمَلَ به للمُسافر أو الضَّيف الَّذي خافَ الرّيبة كَما سَياتي في مَحَلّه، وذلك من مَواضع الضَّرُورة. رد.
(¬2) كَقَول مُحَمَّدٍ مَعَ وُجُود قَول أَبي يُوسُفَ إذا لَم يُصَحَّح أو يَقو وجهُهُ، وأولَى من هذا بالبُطلان الإفتاءُ بخلاف ظاهر الرّواية إذا لَم يُصَحَّح، والإفتاءُ بالقَول المَرجُوع عنه، اهـ. «ح». رد.
(¬3) المُرادُ بالحُكم الحُكمُ الوضعيُّ كالصّحّة، مثالُهُ: مُتَوضّئٌ سالَ من بَدَنه دَمٌ ولَمَسَ امراةً ثُمَّ صَلَّى، فإنَّ صحّة هَذه الصَّلاة مُلَفَّقة من مَذهَب الشّافعيّ والحَنَفيّ، والتَّلفيقُ باطلٌ، فَصحَّتُهُ مُنتَفية، اهـ. «ح». رد.
(¬4) مَطلَبٌ في حُكم التَّقليد والرُّجُوع عَنهُ:
صَرَّحَ بذلك المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في «تَحريره»، ومثلُهُ في «أُصُول الآمديّ» و «ابن الحاجب» و «جَمع الجَوامع»، وهو مَحمُولٌ كَما قال ابنُ حَجَرٍ والرَّمليُّ في شَرحَيهما على «المنهاج» وابنُ قاسمٍ في «حاشيَته» على ما إذا بَقيَ من آثار الفعل السّابق أَثَرٌ يُؤَدّي إلى تَلفيق العَمَل بشَيءٍ لا يَقُولُ به من المَذهَبَين، كَتَقليد الشّافعيّ في مَسح بَعض الرّأس، ومالكٍ في طَهارة الكَلب في صَلاةٍ واحدة، وكَما لو أَفتَى ببَينُونة زَوجَته بطَلاقها مُكرَهًا ثُمَّ نَكَحَ أُختَها مُقَلّدًا للحَنَفيّ بطَلاق المُكرَه ثُمَّ أَفتاهُ شافعيٌّ بعَدَم الحنث، فَيَمتَنعُ عليه أَن يَطأ الأُولَى مُقَلّدًا للشّافعيّ والثّانية مُقَلّدًا للحَنَفيّ، أو هو مَحمُولٌ على مَنع التَّقليد في تلكَ الحادثة بعَينها لا مثلها كَما صَرَّحَ به الإمامُ السُّبكيُّ وتَبعَهُ عليه جَماعةٌ، وذلك كَما لو صَلَّى ظُهرًا بمَسح رُبُع الرّأس مُقَلّدًا للحَنَفيّ، فليس له إبطالُها باعتقاد لُزُوم مَسح الكُلّ مُقَلّدًا للمالكيّ.
وأَمّا لو صَلَّى يَومًا على مَذهَبٍ وأَرادَ أَن يُصَلّيَ يَومًا آخَرَ على غيره فَلا يُمنَعُ منهُ، على أَنَّ في دَعوى الاتّفاق نَظَرًا، فَقَد حُكيَ الخلافُ، فَيَجُوزُ اتّباعُ القائل بالجَواز كَذا أَفادَهُ العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في «العقد الفَريد»،.
ثُمَّ قال بَعدَ ذكر فُرُوعٍ من أَهل المَذهَب صَريحة بالجَواز وكَلامٍ طَويلٍ: فَتَحَصَّلَ ممّا ذَكَرناهُ أَنَّهُ لَيسَ على الإنسان التزامُ مَذهَبٍ مُعَيَّنٍ، وأَنَّهُ يَجُوزُ له العَمَلُ بما يُخالفُ ما عَمله على مَذهَبه مُقَلّدًا فيه غَيرَ إمامه مُستَجمعًا شُرُوطَهُ، ويَعمَلُ بأَمرَين مُتَضادَّين في حادثَتَين لا تَعَلُّقَ لواحدة منهُما بالأُخرَى، ولَيسَ له إبطالُ عَين ما فَعَله بتَقليد إمامٍ آخَرَ؛ لأنّ إمضاءَ الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَضُ.
وقال أَيضًا: إنَّ له التَّقليدَ بَعدَ العَمَل كَما إذا صَلَّى ظانًّا صحَّتَها على مَذهَبه، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطلانُها في مَذهَبه وصحَّتُها على مذهب غيره فله تَقليدُهُ، ويَجتَزئ بتلكَ الصَّلاة على ما قال في «البَزّازيّة»: إنَّهُ رُويَ عن أَبي يُوسُفَ أَنَّهُ صَلَّى الجُمُعة مُغتَسلًا من الحَمّام ثُمَّ أُخبرَ بفارة مَيّتة في بئر الحَمّام، فَقال: نأخُذُ بقَول إخواننا من أَهل المَدينة: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَين لَم يَحمل خَبَثًا»، اهـ. رد.
¬__________
(¬1) وكذا العَمَلُ به لنَفسه، قال العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في رسالَته «العقد الفَريد في جَواز التَّقليد»: مُقتَضَى مَذهَب الشّافعيّ كَما قاله السُّبكيُّ مَنعُ العَمَل بالقَول المَرجُوح في القَضاء والإفتاء دُونَ العَمَل لنَفسه.
مَطلَبُ: لا يَجُوزُ العَمَلُ بالضَّعيف حَتَّى لنَفسه عندنا:
ومَذهَبُ الحَنَفيّة المَنعُ عن المَرجُوح حَتَّى لنَفسه لكَون المَرجُوع صارَ مَنسُوخًا اهـ فَليُحفَظ، وقَيَّدَهُ البيريُّ بالعامّيّ أَي الَّذي لا رأيَ له يَعرفُ به مَعنَى النُّصُوص حَيثُ قال: هَل يَجُوزُ للإنسان العَمَلُ بالضَّعيف من الرّواية في حَقّ نَفسه، نَعَم إذا كانَ له رأيٌ، أَمّا إذا كانَ عامّيًّا فَلَم أَرَهُ، لَكن مُقتَضَى تَقييده بذي الرّأي أَنَّهُ لا يَجُوزُ للعامّيّ ذلك.
قال في «خزانة الرّوايات»: العالمُ الَّذي يَعرفُ مَعنَى النُّصُوص والأَخبار، وهو من أَهل الدّراية يَجُوزُ له أَن يَعمَلَ عليها، وإن كانَ مُخالفًا لمَذهَبه، اهـ.
قُلت: لَكن هذا في غَير مَوضع الضَّرُورة، فَقَد ذَكَرَ في (حَيض) «البَحر» في بَحث أَلوان الدّماء أَقوالًا ضَعيفة، ثُمَّ قال: وفي «المعراج» عن فَخر الأَئمّة: لو أَفتَى مُفتٍ بشَيءٍ من هَذه الأَقوال في مَواضع الضَّرُورة طَلَبًا للتَّيسير كانَ حَسَنًا، اهـ. وكذا قَولُ أَبي يُوسُفَ في المَنيّ إذا خَرَجَ بَعدَ فُتُور الشَّهوة لا يَجبُ به الغَسلُ ضَعيفٌ، وأَجازُوا العَمَلَ به للمُسافر أو الضَّيف الَّذي خافَ الرّيبة كَما سَياتي في مَحَلّه، وذلك من مَواضع الضَّرُورة. رد.
(¬2) كَقَول مُحَمَّدٍ مَعَ وُجُود قَول أَبي يُوسُفَ إذا لَم يُصَحَّح أو يَقو وجهُهُ، وأولَى من هذا بالبُطلان الإفتاءُ بخلاف ظاهر الرّواية إذا لَم يُصَحَّح، والإفتاءُ بالقَول المَرجُوع عنه، اهـ. «ح». رد.
(¬3) المُرادُ بالحُكم الحُكمُ الوضعيُّ كالصّحّة، مثالُهُ: مُتَوضّئٌ سالَ من بَدَنه دَمٌ ولَمَسَ امراةً ثُمَّ صَلَّى، فإنَّ صحّة هَذه الصَّلاة مُلَفَّقة من مَذهَب الشّافعيّ والحَنَفيّ، والتَّلفيقُ باطلٌ، فَصحَّتُهُ مُنتَفية، اهـ. «ح». رد.
(¬4) مَطلَبٌ في حُكم التَّقليد والرُّجُوع عَنهُ:
صَرَّحَ بذلك المُحَقّقُ ابنُ الهُمام في «تَحريره»، ومثلُهُ في «أُصُول الآمديّ» و «ابن الحاجب» و «جَمع الجَوامع»، وهو مَحمُولٌ كَما قال ابنُ حَجَرٍ والرَّمليُّ في شَرحَيهما على «المنهاج» وابنُ قاسمٍ في «حاشيَته» على ما إذا بَقيَ من آثار الفعل السّابق أَثَرٌ يُؤَدّي إلى تَلفيق العَمَل بشَيءٍ لا يَقُولُ به من المَذهَبَين، كَتَقليد الشّافعيّ في مَسح بَعض الرّأس، ومالكٍ في طَهارة الكَلب في صَلاةٍ واحدة، وكَما لو أَفتَى ببَينُونة زَوجَته بطَلاقها مُكرَهًا ثُمَّ نَكَحَ أُختَها مُقَلّدًا للحَنَفيّ بطَلاق المُكرَه ثُمَّ أَفتاهُ شافعيٌّ بعَدَم الحنث، فَيَمتَنعُ عليه أَن يَطأ الأُولَى مُقَلّدًا للشّافعيّ والثّانية مُقَلّدًا للحَنَفيّ، أو هو مَحمُولٌ على مَنع التَّقليد في تلكَ الحادثة بعَينها لا مثلها كَما صَرَّحَ به الإمامُ السُّبكيُّ وتَبعَهُ عليه جَماعةٌ، وذلك كَما لو صَلَّى ظُهرًا بمَسح رُبُع الرّأس مُقَلّدًا للحَنَفيّ، فليس له إبطالُها باعتقاد لُزُوم مَسح الكُلّ مُقَلّدًا للمالكيّ.
وأَمّا لو صَلَّى يَومًا على مَذهَبٍ وأَرادَ أَن يُصَلّيَ يَومًا آخَرَ على غيره فَلا يُمنَعُ منهُ، على أَنَّ في دَعوى الاتّفاق نَظَرًا، فَقَد حُكيَ الخلافُ، فَيَجُوزُ اتّباعُ القائل بالجَواز كَذا أَفادَهُ العَلّامة الشُّرُنبُلاليُّ في «العقد الفَريد»،.
ثُمَّ قال بَعدَ ذكر فُرُوعٍ من أَهل المَذهَب صَريحة بالجَواز وكَلامٍ طَويلٍ: فَتَحَصَّلَ ممّا ذَكَرناهُ أَنَّهُ لَيسَ على الإنسان التزامُ مَذهَبٍ مُعَيَّنٍ، وأَنَّهُ يَجُوزُ له العَمَلُ بما يُخالفُ ما عَمله على مَذهَبه مُقَلّدًا فيه غَيرَ إمامه مُستَجمعًا شُرُوطَهُ، ويَعمَلُ بأَمرَين مُتَضادَّين في حادثَتَين لا تَعَلُّقَ لواحدة منهُما بالأُخرَى، ولَيسَ له إبطالُ عَين ما فَعَله بتَقليد إمامٍ آخَرَ؛ لأنّ إمضاءَ الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَضُ.
وقال أَيضًا: إنَّ له التَّقليدَ بَعدَ العَمَل كَما إذا صَلَّى ظانًّا صحَّتَها على مَذهَبه، ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطلانُها في مَذهَبه وصحَّتُها على مذهب غيره فله تَقليدُهُ، ويَجتَزئ بتلكَ الصَّلاة على ما قال في «البَزّازيّة»: إنَّهُ رُويَ عن أَبي يُوسُفَ أَنَّهُ صَلَّى الجُمُعة مُغتَسلًا من الحَمّام ثُمَّ أُخبرَ بفارة مَيّتة في بئر الحَمّام، فَقال: نأخُذُ بقَول إخواننا من أَهل المَدينة: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَين لَم يَحمل خَبَثًا»، اهـ. رد.