تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج
كتاب الأيمان
ومَن حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد أو الكعبة أو البيعة أو الكنيسة لم يحنث
(ومَن حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد أو الكعبة أو البيعة (¬1) أو الكنيسة لم يحنث) (¬2)؛ لأنَّ اسمَ البيتِ عرفاً لا يطلق عليها، والأيمان مبناها على العرف (¬3).
¬__________
(¬1) البيعة: موضع صلاة النصارى وجمعها البِيَع، وفي ديوان الأدب جعل كل واحد منهما للنصارى، كما في طلبة الطلبة ص93.
(¬2) لأنَّ البيت عرفاً يفهم منه ما جعل وهيئ للبيتوتة، أي: النوم والسبات والقرار ليلاً، فلا يتبادر الذهن من لفظ البيت إلى الكعبة والمسجد والبيعة والكنيسة، كما في البيان في الأيمان والنذور ص93.
(¬3) قاعدتان في اعتبار الأيمان:
الأُولى: الأيمان تبنى على العرف، ومعنى ذلك أنَّ اليمينَ مبنيّةٌ على العرف ما لم ينو ما يحتمله اللفظ؛ لأنَّ المتكلم إنَّما يتكلَّم بالكلام العرفي، أَعني: الألفاظ التي يُراد بها معانيها التي وضعت لها في العرف، كما أنَّ العربيّ حال كونه بين أهل اللغة إنَّما يتكلَّم بالحقائق اللغوية، فوجب صرف ألفاظ المتكلّم إلى ما عُهِد أنَّه المراد بها، فمثلاً: مَن حلف لا يهدم بيتاً، وهدم بيت عنكبوت، فإنَّه إن كان نوى هدم بيت عنكبوت في عموم قوله بيتاً حنث، وإن لم يخطر له فلا؛ لانصراف الكلام إلى المتعارف عند إطلاق لفظ بيت؛ لأنَّ الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم تكن له نيّة، وإن كان له نيّة شيء واللفظ يحتمله انعقد اليمين باعتباره، كما في رد المحتار3: 743.
الثانية: الأيمان مبنيّة على الألفاظ لا على الأغراض، ومعنى ذلك أنَّ مبنى الأيمان على الألفاظ العرفيّة لا على الأغراض: أي المقاصد والنيات، فصار الحاصل أنَّ المعتبر إنَّما هو اللفظ العرفي المسمّى، وأما غرض الحالف فإن كان مدلول اللفظ المسمّى اعتبر، وإن كان زائداً على اللفظ فلا يعتبر.
وكلُّ من القاعدتين متمم ومكمل للمقصود من الأخرى؛ لأنَّ قاعدة بناء الأيمان على العرف معناه: أنَّ المعتبر هو المعنى المقصود في العرف من اللفظ المسمى، وإن كان في اللغة أو في الشرع أعم من المعنى المتعارف، ولما كانت هذه القاعدة موهمة اعتبار الغرض العرفي وإن كان زائداً على اللفظ المسمى وخارجاً عن مدلوله، فإنَّهم دفعوا ذلك الوهم بذكر القاعدة الثانية، وهي بناء الأيمان على الألفاظ لا على الأغراض، فقولهم لا على الأغراض دفعوا به توهم اعتبار الغرض الزائد على اللفظ المسمى، وأرادوا بالألفاظ الألفاظ العرفية؛ بقرينة القاعدة الأولى، ولولاها لتوهم اعتبار الألفاظ ولو لغوية أو شرعية، فلا تنافي بين القاعدتين، كما في رد المحتار3: 744.
ونصّوا على أنَّ اللفظ العام يخصّ ولا يزاد: ومعنى: يخص؛ أنَّ اللفظ إذا كان عاماً يجوز تخصيصه بالعرف، فالغرض العرفي يخصص عمومه، فإذا أطلق اللفظ العام ينصرف إلى المتعارف منه، مثاله: مَنْ حلف لا يأكل رأساً، فإنَّه يحنث بالرأس الذي يشوى ويطبخ في التنور؛ لأنَّه في العرف اسم لما يكبس في التنور ويباع في الأسواق، وهو رأس الغنم، فلا يدخل رأس الجراد والعصفور ونحوهما تحته، ومعنى: ولا يزاد؛ أنَّ دلالة العرف لا تأثير لها في جعل غير الملفوظ ملفوظاً، فلا اعتبار للغرض الخارج عن اللفظ، ولا يصلح أن يزاد على اللفظ بهذا الغرض، مثاله: لو قال رجل لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنَّه يلغو ولا تصح إرادة الملك، أي: إن دخلت وأنت في نكاحي، وإن كان هو المتعارف؛ لأنَّ ذلك غير مذكور، كما في رد المحتار3: 744، ويتفرّع على تخصيص العرف للألفاظ مسائل لا تعد لا وتحصى، منها: إن قال لمريدة الخروج أو الضرب: إن خرجت أو ضربت فأنت طالق، فيحنث خرجت أو ضربت فوراً فحسب؛ وتقيد الحنث بالفعل فوراً، حتى لو لبثت ثم فعلت لا يحنث، وهذه تسمى يمين الفور. وتفردّ أبو حنيفة - رضي الله عنه - بإظهاره، ووجهه: أنَّ مراد المتكلم الردُّ عن تلك الضَرْبة والخَرْجة عرفاً، ومبنى الأيمان عليه، كما في الهداية2: 79، ولو قال رجل لآخر: تعال تغدَّ معي، فقال المدعو: إن تغديت فامرأتي طالق، يحنث إن تغدى معه فقط، حتى لو تغدّى في بيته لا معه لم يحنث؛ لأنَّ قرينة كونه جواباً لكلام الطالب ترجّح كون الممنوع هو ذلك الفعل لا مطلقه، كما في رفع الانتقاض1: 87.
(ومَن حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد أو الكعبة أو البيعة (¬1) أو الكنيسة لم يحنث) (¬2)؛ لأنَّ اسمَ البيتِ عرفاً لا يطلق عليها، والأيمان مبناها على العرف (¬3).
¬__________
(¬1) البيعة: موضع صلاة النصارى وجمعها البِيَع، وفي ديوان الأدب جعل كل واحد منهما للنصارى، كما في طلبة الطلبة ص93.
(¬2) لأنَّ البيت عرفاً يفهم منه ما جعل وهيئ للبيتوتة، أي: النوم والسبات والقرار ليلاً، فلا يتبادر الذهن من لفظ البيت إلى الكعبة والمسجد والبيعة والكنيسة، كما في البيان في الأيمان والنذور ص93.
(¬3) قاعدتان في اعتبار الأيمان:
الأُولى: الأيمان تبنى على العرف، ومعنى ذلك أنَّ اليمينَ مبنيّةٌ على العرف ما لم ينو ما يحتمله اللفظ؛ لأنَّ المتكلم إنَّما يتكلَّم بالكلام العرفي، أَعني: الألفاظ التي يُراد بها معانيها التي وضعت لها في العرف، كما أنَّ العربيّ حال كونه بين أهل اللغة إنَّما يتكلَّم بالحقائق اللغوية، فوجب صرف ألفاظ المتكلّم إلى ما عُهِد أنَّه المراد بها، فمثلاً: مَن حلف لا يهدم بيتاً، وهدم بيت عنكبوت، فإنَّه إن كان نوى هدم بيت عنكبوت في عموم قوله بيتاً حنث، وإن لم يخطر له فلا؛ لانصراف الكلام إلى المتعارف عند إطلاق لفظ بيت؛ لأنَّ الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم تكن له نيّة، وإن كان له نيّة شيء واللفظ يحتمله انعقد اليمين باعتباره، كما في رد المحتار3: 743.
الثانية: الأيمان مبنيّة على الألفاظ لا على الأغراض، ومعنى ذلك أنَّ مبنى الأيمان على الألفاظ العرفيّة لا على الأغراض: أي المقاصد والنيات، فصار الحاصل أنَّ المعتبر إنَّما هو اللفظ العرفي المسمّى، وأما غرض الحالف فإن كان مدلول اللفظ المسمّى اعتبر، وإن كان زائداً على اللفظ فلا يعتبر.
وكلُّ من القاعدتين متمم ومكمل للمقصود من الأخرى؛ لأنَّ قاعدة بناء الأيمان على العرف معناه: أنَّ المعتبر هو المعنى المقصود في العرف من اللفظ المسمى، وإن كان في اللغة أو في الشرع أعم من المعنى المتعارف، ولما كانت هذه القاعدة موهمة اعتبار الغرض العرفي وإن كان زائداً على اللفظ المسمى وخارجاً عن مدلوله، فإنَّهم دفعوا ذلك الوهم بذكر القاعدة الثانية، وهي بناء الأيمان على الألفاظ لا على الأغراض، فقولهم لا على الأغراض دفعوا به توهم اعتبار الغرض الزائد على اللفظ المسمى، وأرادوا بالألفاظ الألفاظ العرفية؛ بقرينة القاعدة الأولى، ولولاها لتوهم اعتبار الألفاظ ولو لغوية أو شرعية، فلا تنافي بين القاعدتين، كما في رد المحتار3: 744.
ونصّوا على أنَّ اللفظ العام يخصّ ولا يزاد: ومعنى: يخص؛ أنَّ اللفظ إذا كان عاماً يجوز تخصيصه بالعرف، فالغرض العرفي يخصص عمومه، فإذا أطلق اللفظ العام ينصرف إلى المتعارف منه، مثاله: مَنْ حلف لا يأكل رأساً، فإنَّه يحنث بالرأس الذي يشوى ويطبخ في التنور؛ لأنَّه في العرف اسم لما يكبس في التنور ويباع في الأسواق، وهو رأس الغنم، فلا يدخل رأس الجراد والعصفور ونحوهما تحته، ومعنى: ولا يزاد؛ أنَّ دلالة العرف لا تأثير لها في جعل غير الملفوظ ملفوظاً، فلا اعتبار للغرض الخارج عن اللفظ، ولا يصلح أن يزاد على اللفظ بهذا الغرض، مثاله: لو قال رجل لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنَّه يلغو ولا تصح إرادة الملك، أي: إن دخلت وأنت في نكاحي، وإن كان هو المتعارف؛ لأنَّ ذلك غير مذكور، كما في رد المحتار3: 744، ويتفرّع على تخصيص العرف للألفاظ مسائل لا تعد لا وتحصى، منها: إن قال لمريدة الخروج أو الضرب: إن خرجت أو ضربت فأنت طالق، فيحنث خرجت أو ضربت فوراً فحسب؛ وتقيد الحنث بالفعل فوراً، حتى لو لبثت ثم فعلت لا يحنث، وهذه تسمى يمين الفور. وتفردّ أبو حنيفة - رضي الله عنه - بإظهاره، ووجهه: أنَّ مراد المتكلم الردُّ عن تلك الضَرْبة والخَرْجة عرفاً، ومبنى الأيمان عليه، كما في الهداية2: 79، ولو قال رجل لآخر: تعال تغدَّ معي، فقال المدعو: إن تغديت فامرأتي طالق، يحنث إن تغدى معه فقط، حتى لو تغدّى في بيته لا معه لم يحنث؛ لأنَّ قرينة كونه جواباً لكلام الطالب ترجّح كون الممنوع هو ذلك الفعل لا مطلقه، كما في رفع الانتقاض1: 87.