أيقونة إسلامية

مع المشككين في السنة

الإمام النووي
مع المشككين في السنة - المؤلف
سابعًا: أن عمر وغيره من الصحابة - ﵃ - ممن امتنع عن إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم فيها النبي - ﷺ - لم يكونوا - ﵃ - عصاةً، كما صورهم صاحب الرسالة؛ لأن أمره هذا - ﵊ - لم يكن للوجوب، بل للندب. ويدلُّ عليه: أن طلبه - ﷺ - هذا منهم كان في يوم الخميس، وقد عاش - ﷺ - بعده إلى يوم الاثنين، ولم يثبت أنه - ﷺ - عاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركهم لاختلافهم؛ لأنه - ﵊ - لا يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وقد كان الصحابة - ﵃ - يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم، فإذا عزم امتثلوا (^١).
وفَهْمُ الصحابة - ﵃ - أجمعين لأمره - ﷺ - هذا بأنه ليس للوجوب كفهمهم - ﵃ - لقوله - ﷺ - لهم: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) (^٢). حيث تخوف أناس من فوات الوقت فَصَلُّوا في الطريق، وتمسك آخرون بظاهر النص فلم يُصَلُّوا إلا بعد أن وصلوا، فلم يعنِّف - ﵊ - أحدًا من الفريقين (^٣).
وقال البيهقي: «ولو كان ما يريد (^٤) النبي - ﷺ - أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه» (^٥). قال النووي: وهذا «كما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث» (^٦).
ثامنًا: اختلف العلماء في المراد بالكتاب الذي همَّ النبي - ﷺ - أن يكتبه لهم:
فقيل: أراد - ﷺ - أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام؛ ليرتفع الاختلاف.
وقيل: بل أراد - ﷺ - أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده؛ حتى لا يقع بينهم الاختلاف. قاله سفيان بن عيينة. ويؤيده: أنه - ﷺ - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة - ﵂ -: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ؛ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) (^٧). أخرجه مسلم. ومع ذلك لم يكتب.
_________
(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٩).
(^٢) عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ - لنا لما رجع من الأحزاب: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، الحديث. صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٣/ ١٥)، رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (٣/ ١٣٩١)، رقم (١٧٧٠). وفي رواية مسلم: "الظهر" بدل "العصر".
(^٣) تمام الحديث السابق: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ). صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٣/ ١٥)، رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (٣/ ١٣٩١)، رقم (١٧٧٠). واللفظ لمسلم.
(^٤) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب: مراد.
(^٥) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٨٤).
(^٦) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٠).
(^٧) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٤/ ١٨٥٧)، رقم (٢٣٨٧).
253
المجلد
العرض
89%
الصفحة
253
(تسللي: 268)