اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط دار المعرفة

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الداء والدواء = الجواب الكافي - ط دار المعرفة - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الَّذِينَ لَمْ يُقَسِّمُوهَا إِلَى كَبَائِرَ
وَالَّذِينَ لَمْ يُقَسِّمُوهَا إِلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، قَالُوا: الذُّنُوبُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَرَاءَةِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، كَبَائِرُ، فَالنَّظَرُ إِلَى مَنْ عَصَى أَمْرَهُ وَانْتَهَكَ مَحَارِمَهُ، يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الذُّنُوبُ كُلُّهَا كَبَائِرَ، وَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ فِي هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
قَالُوا: وَيُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِهَا، فَلَا يَكُونُ بَعْضُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُجَرَّدُ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ ذَنْبٍ وَذَنْبٍ.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَفْسَدَةَ الذُّنُوبِ إِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِلْجَرَاءَةِ وَالتَّوَثُّبِ عَلَى حَقِّ الرَّبِّ ﵎، وَلِهَذَا لَوْ شَرِبَ رَجُلٌ خَمْرًا، أَوْ وَطِئَ فَرْجًا حَرَامًا، وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، لَكَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَبَيْنَ مَفْسَدَةِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، لَكَانَ آتِيًا بِإِحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ دُونَ الْأَوَّلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ تَابِعَةٌ لِلْجَرَاءَةِ وَالتَّوَثُّبِ.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِهَانَةَ بِأَمْرِ الْمُطَاعِ وَنَهْيِهِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ذَنْبٍ وَذَنْبٍ.
قَالُوا: فَلَا يَنْظُرُ الْعَبْدُ إِلَى كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قَدْرِ مَنْ عَصَاهُ وَعَظَمَتِهِ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا لَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَالُ بَيْنَ مَعْصِيَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ مَلِكًا مُطَاعًا عَظِيمًا لَوْ أَمَرَ أَحَدَ مَمْلُوكَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ فِي مُهِمٍّ لَهُ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَأَمَرَ آخَرَ أَنْ يَذْهَبَ فِي شُغُلٍ لَهُ إِلَى جَانِبِ الدَّارِ، فَعَصَيَاهُ وَخَالَفَا أَمْرَهُ، لَكَانَا فِي مَقْتِهِ وَالسُّقُوطِ مِنْ عَيْنِهِ سَوَاءً.
قَالُوا: وَلِهَذَا كَانَتْ مَعْصِيَةُ مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ وَهُوَ جَارُ الْمَسْجِدِ، أَقْبَحَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مَعْصِيَةِ مَنْ تَرَكَ مِنَ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى هَذَا، وَلَوْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَمَنَعَ زَكَاتَهَا، وَمَعَ آخَرَ مِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ فَمَنَعَ مِنْ زَكَاتِهَا؛ لَاسْتَوَيَا فِي مَنْعِ مَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَبْعُدُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْعُقُوبَةِ، إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُصِرًّا عَلَى مَنْعِ زَكَاةِ مَالِهِ، قَلِيلًا كَانَ الْمَالُ أَوْ كَثِيرًا.

[فَصْلٌ الْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ]
فَصْلٌ
وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لِيُعْرَفَ وَيُعْبَدَ
127
المجلد
العرض
50%
الصفحة
127
(تسللي: 121)