التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس - الأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس
فإنّ هذه الرؤية واقعة قطعًا. فإن قيل المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا ترك الظاهر خلاف الأصل. والثاني (١) أنّ قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخبار عن أمر سيقع قطعًا، فعطفه على ما لا يوجد قبيح في النظم. واعلم أن ترك الجواب في مثل هذا المكان أحسن. يقول الرجل للرجل: "لو فعلت هذا" أي لكان كذا. قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يجيء له جواب، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾. إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في جواب (لو) وجوهًا أحدها: قال الأخفش "لو تعلمون علم اليقين" ما ألهاكم التكاثر، وثانيها. قال أبو مسلم: لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به. وثالثها: أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم، وكأنه قال. "لو علمتم علم اليقين" لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه، ولكنكم ضلّال وجهلة. أمّا قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد وأنّ ما أوعدوا به ممّا لَا مدخل فيه للريب وكرره معطوفًا بثم تغليظًا للتهديد وزيادة في التهويل" (٢).
فتقرير المعنى - والله أعلم بما ينزل-: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر ولتنافستم في الخير.
ثمّ قرّر معنى آخر: (لترونّ الجحيم) فاللام واقعة في جواب قسم محذوف، أي: وعزّتي لترونّ الجحيم حين لا ينفعكم العذر. ونمثّل لهذا بقولنا. (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لينصرنّ الله من ينصره) فإنّ الجملة الثانية لا يمكن أن تكون جوابًا للجملة الأولى أي: (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لأخذت حذرها
_________
(١) أي الوجه الثاني.
(٢) ج ٣٢/ ص ٧٨ - ٧٩.
فتقرير المعنى - والله أعلم بما ينزل-: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر ولتنافستم في الخير.
ثمّ قرّر معنى آخر: (لترونّ الجحيم) فاللام واقعة في جواب قسم محذوف، أي: وعزّتي لترونّ الجحيم حين لا ينفعكم العذر. ونمثّل لهذا بقولنا. (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لينصرنّ الله من ينصره) فإنّ الجملة الثانية لا يمكن أن تكون جوابًا للجملة الأولى أي: (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لأخذت حذرها
_________
(١) أي الوجه الثاني.
(٢) ج ٣٢/ ص ٧٨ - ٧٩.
334