اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين - محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي
بِسَبَبِ الْكَسَلِ كَالصَّلَاةِ، أَوْ بِسَبَبِ الْبُخْلِ كَالزَّكَاةِ أَوْ بِسَبَبِهِمَا جَمِيعًا كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَعَاصِي، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْوَاعَ الْمَعَاصِي فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النَّحْلِ: ٩٠] فَمَا أَحْوَجَ الْعَبْدَ إِلَى الصَّبْرِ عَنْهَا سِيَّمَا مَا لَا يَثْقُلُ مِنْهَا عَلَى النَّفْسِ كَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ وَالْمِرَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَى النَّفْسِ تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا وَأَنْوَاعِ الْمَزْحِ الْمُؤْذِي لِلْقُلُوبِ وَضُرُوبِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْإِزْرَاءُ وَالِاسْتِحْقَارُ وَالْقَدْحُ فِي الْمَوْتَى، وَلِمَصِيرِ ذَلِكَ مُعْتَادًا فِي الْمُحَاوَرَاتِ بَطَلَ اسْتِقْبَاحُهَا مِنَ الْقُلُوبِ لِعُمُومِ الْأُنْسِ بِهَا، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْمُوبِقَاتِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَرْتَبِطُ هُجُومُهُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَهُ اخْتِيَارٌ فِي دَفْعِهِ، كَمَا لَوْ أُوذِيَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَجُنِيَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الْمُكَافَأَةِ، تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا وَتَارَةً يَكُونُ فَضِيلَةً، قَالَ - تَعَالَى -: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [الْمُزَّمِّلِ: ١٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٦] أَيْ تَصْبِرُوا عَلَى الْمُكَافَأَةِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْعَافِينَ عَنْ حُقُوقِهِمْ فِي الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ - تَعَالَى -: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النَّحْلِ: ١٢٦] وَقَالَ - ﷺ -: " صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ".
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرِ الِاخْتِيَارِ كَالْمَصَائِبِ، مِثْلُ مَوْتِ الْأَعِزَّةِ وَهَلَاكِ الْأَمْوَالِ وَزَوَالِ الصِّحَّةِ بِالْمَرَضِ وَعَمَى الْعَيْنِ وَفَسَادِ الْأَعْضَاءِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الصَّبْرِ، وَإِنَّمَا يَنَالُ دَرَجَةَ الصَّبْرِ فِي الْمَصَائِبِ بِتَرْكِ الْجَزَعِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الشَّكْوَى وَإِظْهَارِ الْكَآبَةِ وَتَغْيِيرِ الْعَادَةِ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَفْرَشِ وَالْمَطْعَمِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ جَمِيعَهَا وَيُظْهِرَ الرِّضَاءَ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى عَادَتِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَدِيعَةً فَاسْتُرْجِعَتْ، كَمَا رُوِيَ عَنْ " أم سليم " - رَحِمَهَا اللَّهُ - قَالَتْ: " تُوُفِّيَ ابْنٌ لِي، وَزَوْجِي أبو طلحة غَائِبٌ فَقُمْتُ فَسَجَّيْتُهُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَهَيَّأْتُ لَهُ إِفْطَارَهُ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: كَيْفَ الصَّبِيُّ؟ فَقُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ اشْتَكَى بِأَسْكَنَ مِنْهُ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ تَصَنَّعْتُ لَهُ أَحْسَنَ مَا كُنْتُ أَتَصَنَّعُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَصَابَ مِنِّي حَاجَتَهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ جِيرَانِنَا؟ قَالَ: مَا لَهُمْ؟ قُلْتُ: أُعِيرُوا عَارِيَةً فَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمْ وَاسْتُرْجِعَتْ جَزِعُوا، فَقَالَ: بِئْسَ مَا صَنَعُوا، فَقُلْتُ: هَذَا ابْنُكَ كَانَ عَارِيَةً مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى -
283
المجلد
العرض
88%
الصفحة
283
(تسللي: 280)