الدخول في أمان غير المسلمين وآثاره في الفقه الإسلامي - عبد الحق بن ملا حقي التركماني
وعصَوا وخالَفُوا؛ فهل يجوز لنا معاملتهم، والقوم قد أفسَدُوا أموالَهم في دِينهم أم لا؟ فظنَّتْ طائفةٌ أنَّ معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصَّحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرَّم الله سبحانه عليهم، فقد قام الدَّليلُ القاطعُ على ذلك قرآنًا وسنةً: قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا نصٌّ في مخاطبتهم بفروع الشَّريعة، وقد عامل النبيُّ - ﷺ - اليهودَ، وماتَ ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ في شعيرٍ أخذَهُ لعياله (^١). وقد رُوي عن عُمر بن الخطَّاب أنَّه سُئلَ عمَّن أخَذَ ثمن الخمر في الجِزْيَة والتِّجارة؟ فقال: «وَلُّوهُم بَيْعها، وخذُوا منهم عُشْر أَثْمانِها». (^٢) والحاسمُ لداء الشكِّ والخلافِ: اتِّفاقُ الأئمة على جواز التِّجارة
_________
(^١) أخرجه البخاريُّ في «الصحيح» (٢٠٦٩) من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: لقد رهَنَ النبيُّ - ﷺ - دِرْعًا له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيرًا لأهله.
وأخرجه البخاريُّ في «الصحيح» (٢٩١٦)، ومسلم في «الصحيح» (١٦٠٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: تُوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - ودِرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا من شعيرٍ.
(^٢) أخرجه عبد الرزاق بن هَمَّام في «المصنَّف» (٩٨٨٦، و١٠٠٤٤، و١٤٨٥٣، و١٩٣٩٦) عن سُويد بن غَفَلَة قال: بلَغَ عمرَ بنَ الخطَّاب أنَّ عمَّالَه يأخذون الجزيةَ من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلالٌ: إنَّهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولكنْ ولُّوهُم بيعَها، فإنَّ اليهودَ حُرِّمتْ عليهم الشُّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانَها.
وإسناده صحيح، رجاله ثقات. وقال الإمام أحمد بن حنبل: «إسناده جيِّد» نقله ابن القيِّم في «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٨٣)، وصحَّحه ابن حزم في «المحلَّى بالآثار» (٨/ ١٤٨).
وأخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (ص ٦٢) بإسنادٍ آخر صحيحٍ أيضًا، وفيه: «لا تأخُذوا منهم، ولكن ولُّوهم بيعها، وخذُوا أنتم من الثَّمن». وضعَّف ابن حزمٍ هذه الزيادة؛ فلم يُصب.
وقال أبو عُبيد ﵀: «يريد أنَّ المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذِّمَّة الخمرَ والخنزير من جزيةِ رؤُوسهم، وخراج أرَضِيهم، بقيمتها، ثم يتولَّى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلالٌ، ونهى عنه عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانِها إذا كان أهلُ الذِّمَّة المتولِّين لبيعها، لأنَّ الخمرَ والخنازيرَ مالٌ من أموال أهل الذِّمة، ولا تكون مالًا للمسلمين».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وما قُبض بتأويلٍ فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرَّمٌ، كالذمي إذا باع خمرًا وأخذ ثمنه؛ جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن، وإن كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «ولُّوهُم بيعَها وخذوا أثمانَها». وهذا كان سببه أنَّ بعض عمَّاله أخذ خمرًا في الجزية، وباع الخمرَ لأهل الذمة، فبلَغَ ذلك عمرَ فأنكر ذلك، وقال: «ولُّوهم بيعها، وخذُوا أثمانَها». وهذا ثابتٌ عن عمرَ، وهو مذهب الأئمة. وهكذا من عامل معاملةً يعتقد جوازها في مذهبه، وقبض المالَ؛ جاز لغيره أن يشتري ذلك المالَ منه، وإن كان لا يرى جواز تلك المعاملة». (مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٢٦٥)
_________
(^١) أخرجه البخاريُّ في «الصحيح» (٢٠٦٩) من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: لقد رهَنَ النبيُّ - ﷺ - دِرْعًا له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيرًا لأهله.
وأخرجه البخاريُّ في «الصحيح» (٢٩١٦)، ومسلم في «الصحيح» (١٦٠٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: تُوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - ودِرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا من شعيرٍ.
(^٢) أخرجه عبد الرزاق بن هَمَّام في «المصنَّف» (٩٨٨٦، و١٠٠٤٤، و١٤٨٥٣، و١٩٣٩٦) عن سُويد بن غَفَلَة قال: بلَغَ عمرَ بنَ الخطَّاب أنَّ عمَّالَه يأخذون الجزيةَ من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلالٌ: إنَّهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولكنْ ولُّوهُم بيعَها، فإنَّ اليهودَ حُرِّمتْ عليهم الشُّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانَها.
وإسناده صحيح، رجاله ثقات. وقال الإمام أحمد بن حنبل: «إسناده جيِّد» نقله ابن القيِّم في «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٨٣)، وصحَّحه ابن حزم في «المحلَّى بالآثار» (٨/ ١٤٨).
وأخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (ص ٦٢) بإسنادٍ آخر صحيحٍ أيضًا، وفيه: «لا تأخُذوا منهم، ولكن ولُّوهم بيعها، وخذُوا أنتم من الثَّمن». وضعَّف ابن حزمٍ هذه الزيادة؛ فلم يُصب.
وقال أبو عُبيد ﵀: «يريد أنَّ المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذِّمَّة الخمرَ والخنزير من جزيةِ رؤُوسهم، وخراج أرَضِيهم، بقيمتها، ثم يتولَّى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلالٌ، ونهى عنه عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانِها إذا كان أهلُ الذِّمَّة المتولِّين لبيعها، لأنَّ الخمرَ والخنازيرَ مالٌ من أموال أهل الذِّمة، ولا تكون مالًا للمسلمين».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وما قُبض بتأويلٍ فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرَّمٌ، كالذمي إذا باع خمرًا وأخذ ثمنه؛ جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن، وإن كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: «ولُّوهُم بيعَها وخذوا أثمانَها». وهذا كان سببه أنَّ بعض عمَّاله أخذ خمرًا في الجزية، وباع الخمرَ لأهل الذمة، فبلَغَ ذلك عمرَ فأنكر ذلك، وقال: «ولُّوهم بيعها، وخذُوا أثمانَها». وهذا ثابتٌ عن عمرَ، وهو مذهب الأئمة. وهكذا من عامل معاملةً يعتقد جوازها في مذهبه، وقبض المالَ؛ جاز لغيره أن يشتري ذلك المالَ منه، وإن كان لا يرى جواز تلك المعاملة». (مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٢٦٥)
118