الدخول في أمان غير المسلمين وآثاره في الفقه الإسلامي - عبد الحق بن ملا حقي التركماني
خشينا أن يفتن أبناءَنا ونساءَنا! قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبدُ ربَّه في داره، ولا يستعلنُ بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره، وبَرَزَ، فكان يصلِّي فيه، ويقرأ القرآنَ، فيتقصَّف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفْزَعَ ذلك أشرافَ قريشٍ من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة فقَدِمَ عليهم، فقالوا له: إنَّا كنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربَّه في داره، وإنَّه جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأْتِهِ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربَّه في داره فعل، وإن أبَى إلا أن يعلن ذلك فسَلْهُ أن يرد إليك ذمَّتك، فإنا كرهنا أن نُخْفِرَكَ، ولسنا مقرِّين لأبي بكر الاسْتعلانَ. قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإمَّا أن تقتصر على ذلك، وإما أن تردَّ إليَّ ذِمَّتِي، فإنِّي لا أحبُّ أن تسمع العربُ أنِّي أُخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له. قال أبو بكر: إنِّي أردُّ إليك جواركَ، وأرضَى بجوار الله. (^١)
_________
(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ١٩٨:٢٥٦٢٦)، والبخاري في «الصحيح» (٢٢٩٨ و٣٩٠٦)، وابن خزيمة في «الصحيح» (٢٦٥)، وابن حبان في «الصحيح» (٢٦٧٧ و٦٨٦٨).
قال المهلَّبُ بنُ أبي صُفرة الأزديُّ (ت: ٤٣٥/ ١٠٤٤ م) ﵀: «هذا الجوار كان معروفًا بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب النبيَّ ﵇، ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعداء، ففي هذا من الفقه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم؛ أنه مباح له، وجائز؛ أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا، إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه؛ فله ذلك، كما ردَّ أبو بكر الصديق على ابن الدغنة جواره، ورضي بجوار الله وجوار رسوله ﵇، وأبو بكر يومئذ من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من أذى المشركين محتسبًا على الله، وواثقًا به، فوفَّى الله له ما وثق به فيه، ولم ينله مكروه؛ حتى أذن الله لنبيه في الهجرة، فخرج أبو بكر معه ونجاهم الله تعالى، من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين، وكان لأبي بكر في ذلك من الفضل والسبق في نصرة نبيِّه وبذل نفسه وماله في ذلك ما لم يَخْفَ مكانُه، ولا جهل موضعه». نقله ابن بطَّال القرطبيُّ (ت: ٤٤٩/ ١٠٥٧) في «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٤٣٠).
_________
(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ١٩٨:٢٥٦٢٦)، والبخاري في «الصحيح» (٢٢٩٨ و٣٩٠٦)، وابن خزيمة في «الصحيح» (٢٦٥)، وابن حبان في «الصحيح» (٢٦٧٧ و٦٨٦٨).
قال المهلَّبُ بنُ أبي صُفرة الأزديُّ (ت: ٤٣٥/ ١٠٤٤ م) ﵀: «هذا الجوار كان معروفًا بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب النبيَّ ﵇، ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعداء، ففي هذا من الفقه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم؛ أنه مباح له، وجائز؛ أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا، إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه؛ فله ذلك، كما ردَّ أبو بكر الصديق على ابن الدغنة جواره، ورضي بجوار الله وجوار رسوله ﵇، وأبو بكر يومئذ من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من أذى المشركين محتسبًا على الله، وواثقًا به، فوفَّى الله له ما وثق به فيه، ولم ينله مكروه؛ حتى أذن الله لنبيه في الهجرة، فخرج أبو بكر معه ونجاهم الله تعالى، من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين، وكان لأبي بكر في ذلك من الفضل والسبق في نصرة نبيِّه وبذل نفسه وماله في ذلك ما لم يَخْفَ مكانُه، ولا جهل موضعه». نقله ابن بطَّال القرطبيُّ (ت: ٤٤٩/ ١٠٥٧) في «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٤٣٠).
41