خمس رسائل على كتاب الهداية - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
خمس رسائل على كتاب الهداية في الفقه الحنفي
فهذه الآية وما قدمناه من الآيات ونظائرها تدل على أن الباعث لإبليس على الامتناع عن السجود بعد أن أمره الله تعالى به هو ادعاء كونه خيراً من آدم بسبب خلقه من نار وخلق آدم من طين، فهو يرى نفسه أفضل من آدم، وأن ذريته أفضل من ذرية آدم، فلم يكن لإبليس باعث على ما فعل من عدم السجود إلا الكبرياء والحسد، وقد جهل أو تجاهل إبليس أنه في الآخرة يرجع إلى ما خلق منه آدم وهو الطين، لأن النار التي خلق منها مبدؤها الشجر، قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}، وقال تعالى: {أَفَرَهَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ وَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}، فالنار التي خلق منها إبليس هي من الشجر الأخضر، والشجر مخلوق من سلالة من طين، فكان إبليس مخلوقا من سلالة من طين، كما أن آدم مخلوق من حمإ مسنون، ثم صار الطين صلصالاً كالفخار، ثم أنشأه الله خلقًا آخر، فخلقه حيوانًا ناطقًا بعد أن كان جمادًا، ونفخ فيه من روحه فكان إنسانًا، كما قال تعالى بعد أن ذكر أطوار خلق الإنسان: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقَاءَ اخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وجعل تركيبه مستلزما لدواعي الشهوة والفتنة بمقتضى حيوانيته، ومستلزما لدواعي العقل والعلم بمقتضى ملكيته ونفسه الناطقة، فكان فريق الشهوة والفتنة وفريق العقل والعلم في تركيبه، ليكون كل فريق ذاهبًا لما استلزمه واقتضاه، ليتم مراد الله تعالى ويظهر لعباده عزته وجبروته في حكمته ورحمته وبره وفضله