اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

فقه أهل العرلق وحديثهم

محمد زاهد الكوثري
فقه أهل العرلق وحديثهم - محمد زاهد الكوثري

فقه أهل العرلق وحديثهم

لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق، في تقريعهم والرد عليهم، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، ففوَّقوا سهاماً إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته.
وليس بين القائلين بالقياس من لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، و"إبطال الاستحسان" ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.
ومن الحكايات الطريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنه لما سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي للّه العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب أهل الظاهر، جاوبه قائلاً: "إني قرأت إبطال الاستحسان للشافعي، فرأيته صحيحاً في معناه، إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به عندي بطلانه"، كأنه لم يرد أن يبقى في مذهب يهدُّ بعضه بعضاً، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معاً!!
لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت.
وأود أن أسوق بعض كلمات من فصول أبي بكر الرازي، لتنوير المسألة، لأنه من أحسن من تكلم فيه بإِسهاب مفهوم -فيما أعلم-، وهو يقول في الفصول في بحث الاستحسان:
"وجميع ما يقول فيه أصحابنا بالاستحسان، فإنهم قالوه مقروناً بدلائله وحججه، لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل مسائل الاستحسان موجودة في الكتب التي عملناها، في شرح كتب أصحابنا، ونحن نذكر هنا جملة تفضي بالناظر فيها إلى معرفة حقيقة قولهم في هذا الباب، بعد تقدمة القول في جواز إطلاق لفظ الاستحسان، فنقول:
المجلد
العرض
21%
تسللي / 52