اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية

لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات

المجلد 1

وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحدأة، والفأرة، والغراب، والعقرب، والكلب العقور»، وعلة الإباحة فيها هي الابتداء بالأذى والعدو على الناس غالبًا، فإن من عادة الحدأة أن تغير على اللحم والكرش، والعقرب تقصد من تلدغه وتتبع حسه وكذا الحية، والغراب يقع على دبر البعير وصاحبه قريب منه، والفأرة تسرق أموال الناس، والكلب العقور من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء من حيث الغالب، ولا يكاد يهرب من بني آدم، وهذا المعنى موجود في الأسد، والذئب والفهد والنمر، فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودا في هذه دلالة.
قال أبو يوسف: (الغراب المذكور في الحديث هو الغراب الذي يأكل الجيف، أو يخلط مع الجيف؛ إذ هذا النوع هو الذي يبتدئ بالأذى، والعقعق ليس في معناه؛ لأنه لا يأكل الجيف ولا يبتدئ بالأذى.
وأما الذي لا يبتدئ بالأذى غالبًا كالضبع، والثعلب وغيرهما فله أن يقتله إن عدا عليه ولا شيء عليه إذا قتله، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: «يلزمه الجزاء»، وجه قوله: أن المحرم للقتل قائم وهو الإحرام فلو سقطت الحرمة إنما تسقط بفعله، وفعل العجماء جبار فبقي محرم القتل كما كان، كالجمل الصئول إذا قتله إنسان أنه يضمن لما قلنا كذا هذا، ولنا أنه لما عدا عليه وابتدأه بالأذى التحق بالمؤذيات طبعا فسقطت عصمته، وقد روي عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أنه ابتدأ قتل ضبع فأدى جزاءها، وقال: (إنا ابتدأناها» فتعليله بابتدائه قتله إشارة إلى أنها لو ابتدأت لا يلزمه الجزاء، وقوله: (الإحرام قائم» مسلم لكن أثره في أن لا يتعرض للصيد لا في وجوب تحمل الأذى، بل يجب عليه دفع الأذى؛ لأنه من صيانة نفسه عن الهلاك وأنه واجب، فسقطت عصمته في حال الأذى، فلم يجب الجزاء بخلاف الجمل الصائل؛ لأن عصمته ثبتت حقا لمالكه ولم يوجد منه ما يسقط العصمة فيضمن القاتل، وإن لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل، وإن قتله ابتداءً فعليه الجزاء عندنا، وعند الشافعي: «يباح له قتله ابتداء ولا جزاء عليه إذا قتله».
وجه قوله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح للمحرم قتل خمس من الدواب، وهي لا يؤكل لحمها والضبع والثعلب ما لا يؤكل لحمه، فكان ورود النص هناك ورودا هاهنا، ولنا قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا} [المائدة: 96]، وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَا حُكُمْ} [المائدة: 94] عاما أو مطلقا من غير فصل بين المأكول وغيره، واسم الصيد يقع على المأكول وغير المأكول؛ لوجود حد الصيد فيهما جميعا، والدليل عليه قول الشاعر:
المجلد
العرض
28%
تسللي / 1375