البرة في حب الهرة - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
البرة في حب الهرة 19
وأغرب الخطاب وتكلّف في الجواب، وقال: ليس في كلامه أنَّه لا يحبُّ الوطن إلا مؤمن، وإنما فيه أنَّ حبَّ الوطن لا ينافي الإيمان، فتأمله. انتهى. وأنتَ تعرفُ أنَّ هذا الكلامَ مَدْخُولٌ، وفي النَّظرِ الصَّحيح معلول؛ فإِنَّ السَّخَاوِيَّ أرادَ أَنَّه جاءَ في القرآنِ حكايةً عن أهل الإيمانِ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا} [البقرة: 246]، فعارضه المَنُوفي بقوله تعالى: وَلَوأَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَواخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66]، فدلَّتْ الآيتان على أنَّ حبَّ الوطن من جِبلَّةِ الإنسان، ولا خصوصيَّةً له بأهل الإيمان، فلا يصلُحُ أن يكون علامة عليه، ولا دلالة مشيرةً إليه. هذا، ولا يبعد أن يكون مراده بقوله: (صحيح) أن يقصد بالوطن الجنَّةَ؛ فإنَّها المسكنُ الأوَّلُ لأبينا آدمَ، أومكَّةَ؛ فَإِنَّهَا أُمُّ القُرَى.
ثم اعلم أنه ورد في الأحاديثِ النَّبويّة، على صاحبها أفضلُ الصَّلاةِ والتَّحِيَّةِ: «حُبُّ العربِ إيمان، وحبُّ أبي بكر وعمر إيمان»، وحبُّ الأنصارِ آيةُ الإيمانِ». ولا شَكٍّ أنَّ في هذه الأحاديثِ إضافة المصدر إلى فاعله؛ لما وردَ: «فَمَنْ أحب العرب، فقد أحبني، ومن أبغض العرب، فقد أبغضني»، والأصل في النظائرِ أنْ يكونَ على طَبَقٍ واحد، فهذا أحد المرجحاتِ لكلامِ السَّعد. ومنها: أنَّ نسبة المحبَّةِ إلى الهِرَّةِ مجازيَّةٌ، فالأولى حمل الكلام على الإرادة الحقيقية، ولذا استشكل العلماء قوله: «أُحدٌ جبل يُحبُّنا ونُحبُّه»، فقالوا: محبَّة الحي للجماد: إعجابه به، وسكونُ النَّفْسِ إليه، والمؤانسة به؛ لما يرى فيه من به من نفعٍ. ومحبَّةُ الجمادِ للحي: مجاز عن كونه نافعاً إِيَّاه، ساداً بينه وبين مَأْلُوفِه.
ثم اعلم أنه ورد في الأحاديثِ النَّبويّة، على صاحبها أفضلُ الصَّلاةِ والتَّحِيَّةِ: «حُبُّ العربِ إيمان، وحبُّ أبي بكر وعمر إيمان»، وحبُّ الأنصارِ آيةُ الإيمانِ». ولا شَكٍّ أنَّ في هذه الأحاديثِ إضافة المصدر إلى فاعله؛ لما وردَ: «فَمَنْ أحب العرب، فقد أحبني، ومن أبغض العرب، فقد أبغضني»، والأصل في النظائرِ أنْ يكونَ على طَبَقٍ واحد، فهذا أحد المرجحاتِ لكلامِ السَّعد. ومنها: أنَّ نسبة المحبَّةِ إلى الهِرَّةِ مجازيَّةٌ، فالأولى حمل الكلام على الإرادة الحقيقية، ولذا استشكل العلماء قوله: «أُحدٌ جبل يُحبُّنا ونُحبُّه»، فقالوا: محبَّة الحي للجماد: إعجابه به، وسكونُ النَّفْسِ إليه، والمؤانسة به؛ لما يرى فيه من به من نفعٍ. ومحبَّةُ الجمادِ للحي: مجاز عن كونه نافعاً إِيَّاه، ساداً بينه وبين مَأْلُوفِه.