البيان في فقه الأيمان والنذور والحظر والإباحة - صلاح أبو الحاج
الباب الثالث الحظر والإباحة
النَّسَفيّ (¬1): ((وجاز بيع العصير من خمّار)). وبيّنوا أن عدم الكراهة (¬2) عند أبي حنفية - رضي الله عنه - لما يلي:
¬__________
(¬1) في الكنز6: 28.
(¬2) وقيد في السراج والمشكلات، والجوهرة 2: 287 والباقاني وغيرها: الكراهة إذا كان من مسلم، أما إذا كان من كافر كمجوسي أو ذمي فلا يكره. وأيضاً الخادمي حاشيته على الدرر156 قيده بالمجوسي والذمي، أما المسلم فمكروه اتفاقاً.
ورد هذا ابن عابدين في رد المحتار 6: 391 بقوله: وهو خلاف إطلاق المتون وتعليل الشروح بما مر وقال الطحطاوي: وفيه أنه لا يظهر إلا على قول من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح خطابهم وعليه فيكون إعانة على المعصية، فلا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما فتدبر. اهـ.
ولا يرد هذا على الإطلاق والتعليل المار. وفي فتاوى قاضي خان 3: 224 بعد أن ذكر المعتمد في المسألة أعقبه بصيغة التمريض: قيل، فذكر بعده توجيهاً لقول أبي حنيفة، وهذه عبارته: ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمراً في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: يكره، وقيل على قول أبي حنيفة: إنّما لا يكره إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك، أما إذا وجد مسلماً يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمراً، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس الكرم بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمراً. انتهى.
وفي غمز العيون1: 97 نسب هذا القول لفصول العلائي، وهذا الذي ذكره قاضي خان لتضعيفه بعد أن ذكر المعتمد في المذهب نقله عنه ابن نجيم في الأشباه والنظائر 1: 97 دون بيان منه لذلك، فقال: وذكر قاضي خان في فتاواه: إن بيع العصير ممن يتخذه خمراً إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم على هذا انتهى.
وعلى هذا عصير العنب بقصد الخلية أو الخمرية. انتهى. وعلق الحموي في حاشيته على الأشباه والنظائر المسمّاة غمز العيون1: 97 بذكر نقول عن المشكلات وفصول العلائي والسراج تؤيد ما ذكره ابن نجيم، وفعله مثله بيري زاده في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق9/أ.
قلت: علم مما ذكر في هذه المسألة أن الكتب المعتمدة في المذهب لم تفرق بين أن يكون لدى المشتري علم بأن من سيبيعه سيتخذه خمراً أم لا، مما يدل على أنه لا فرق في ذلك، وقد صرح بهذا أبو السعود، كيف لا ومفهوم الموافقة والمخالفة معتبر في عبارات الكتب، ومع ذلك فإن بعض الكتب المعتمدة صرحت بعدم الكراهة وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمراً، فلم يبق بعدها مجال للارتياب.
أما ما نقل عن بعض الكتب من التقييد بعدم الكراهة إذا كان من كافر أو ذمي، فهو مردود لكونها كتب غير معتبرة في المذهب كما علم في مكانه، ومعلوم أنه لا يؤخذ منها ما يعارض ما في الكتب المعتمدة، وقد رد ابن عابدين والطحطاوي ما ذكر فيها لمخالفة المتون التي فيها المعتمد من المذهب.
أما ما نقل عن الأشباه من التعويل على القصد، فيمكن رده من وجوه:
الأول: أننا عندما رجعنا إلى فتاوى قاضي خان التي أخذ المسألة منها، وجدنا قاضي خان ذكرها بصيغة التمريض بعد أن ذكر المعتمد من المذهب.
والثاني: أن ابن نجيم أراد بذكر المسألة تحت قاعدة: الأمور بمقاصدها، التدليل ببعض المسائل على القاعدة لا ذكر المعتمد من المذهب؛ لأنه ذكر في البحر ما عليه الكتب المعتمدة لا ما ذكره في الأشباه، وما فعله الحموي وبيري زاده في التعليق على هذه المسألة من الأشباه هو تأييد القاعدة بذكر مسائل من الكتب لا أنها المعتمدة في المذهب.
والثالث: أنه قد نص على أن الأشباه من الكتب غير المعتمدة في المذهب وإن حمله بعضهم على شدة ما فيها من الاختصار.
والرابع: أن السرخسي في المبسوط 24: 3 نص على أن المعتمد في الفساد هو قصد المشتري لا البائع، فقال بعد ذكر المسألة: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
والخامس: أن لا يقدم كتاب الأشباه في تحديد المذهب على متون المذهب وشروحه المعتمدة، فمعلوم أن اتفاق هذه الكتب جميعاً في بيان المذهب لا يعارض بمثل الأشباه والسراج والجوهرة، والله أعلم وعلمه أحكم.
وأنبه على أن القصد المكروه الذي ذكره قاضي خان وتبعه فيه ابن نجيم هو أن يقصد بفعله نشر الخمر وشيوعه بين الناس لا أن يكون قصده من بيع العصير هو تحصيل الربح فحسب مع علمه بأن الذي يشتريه منه يتخذ منه الخمر؛ إذ قال قاضي خان: وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره. والله أعلم
¬__________
(¬1) في الكنز6: 28.
(¬2) وقيد في السراج والمشكلات، والجوهرة 2: 287 والباقاني وغيرها: الكراهة إذا كان من مسلم، أما إذا كان من كافر كمجوسي أو ذمي فلا يكره. وأيضاً الخادمي حاشيته على الدرر156 قيده بالمجوسي والذمي، أما المسلم فمكروه اتفاقاً.
ورد هذا ابن عابدين في رد المحتار 6: 391 بقوله: وهو خلاف إطلاق المتون وتعليل الشروح بما مر وقال الطحطاوي: وفيه أنه لا يظهر إلا على قول من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح خطابهم وعليه فيكون إعانة على المعصية، فلا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما فتدبر. اهـ.
ولا يرد هذا على الإطلاق والتعليل المار. وفي فتاوى قاضي خان 3: 224 بعد أن ذكر المعتمد في المسألة أعقبه بصيغة التمريض: قيل، فذكر بعده توجيهاً لقول أبي حنيفة، وهذه عبارته: ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمراً في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: يكره، وقيل على قول أبي حنيفة: إنّما لا يكره إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك، أما إذا وجد مسلماً يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمراً، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس الكرم بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمراً. انتهى.
وفي غمز العيون1: 97 نسب هذا القول لفصول العلائي، وهذا الذي ذكره قاضي خان لتضعيفه بعد أن ذكر المعتمد في المذهب نقله عنه ابن نجيم في الأشباه والنظائر 1: 97 دون بيان منه لذلك، فقال: وذكر قاضي خان في فتاواه: إن بيع العصير ممن يتخذه خمراً إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم على هذا انتهى.
وعلى هذا عصير العنب بقصد الخلية أو الخمرية. انتهى. وعلق الحموي في حاشيته على الأشباه والنظائر المسمّاة غمز العيون1: 97 بذكر نقول عن المشكلات وفصول العلائي والسراج تؤيد ما ذكره ابن نجيم، وفعله مثله بيري زاده في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق9/أ.
قلت: علم مما ذكر في هذه المسألة أن الكتب المعتمدة في المذهب لم تفرق بين أن يكون لدى المشتري علم بأن من سيبيعه سيتخذه خمراً أم لا، مما يدل على أنه لا فرق في ذلك، وقد صرح بهذا أبو السعود، كيف لا ومفهوم الموافقة والمخالفة معتبر في عبارات الكتب، ومع ذلك فإن بعض الكتب المعتمدة صرحت بعدم الكراهة وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمراً، فلم يبق بعدها مجال للارتياب.
أما ما نقل عن بعض الكتب من التقييد بعدم الكراهة إذا كان من كافر أو ذمي، فهو مردود لكونها كتب غير معتبرة في المذهب كما علم في مكانه، ومعلوم أنه لا يؤخذ منها ما يعارض ما في الكتب المعتمدة، وقد رد ابن عابدين والطحطاوي ما ذكر فيها لمخالفة المتون التي فيها المعتمد من المذهب.
أما ما نقل عن الأشباه من التعويل على القصد، فيمكن رده من وجوه:
الأول: أننا عندما رجعنا إلى فتاوى قاضي خان التي أخذ المسألة منها، وجدنا قاضي خان ذكرها بصيغة التمريض بعد أن ذكر المعتمد من المذهب.
والثاني: أن ابن نجيم أراد بذكر المسألة تحت قاعدة: الأمور بمقاصدها، التدليل ببعض المسائل على القاعدة لا ذكر المعتمد من المذهب؛ لأنه ذكر في البحر ما عليه الكتب المعتمدة لا ما ذكره في الأشباه، وما فعله الحموي وبيري زاده في التعليق على هذه المسألة من الأشباه هو تأييد القاعدة بذكر مسائل من الكتب لا أنها المعتمدة في المذهب.
والثالث: أنه قد نص على أن الأشباه من الكتب غير المعتمدة في المذهب وإن حمله بعضهم على شدة ما فيها من الاختصار.
والرابع: أن السرخسي في المبسوط 24: 3 نص على أن المعتمد في الفساد هو قصد المشتري لا البائع، فقال بعد ذكر المسألة: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
والخامس: أن لا يقدم كتاب الأشباه في تحديد المذهب على متون المذهب وشروحه المعتمدة، فمعلوم أن اتفاق هذه الكتب جميعاً في بيان المذهب لا يعارض بمثل الأشباه والسراج والجوهرة، والله أعلم وعلمه أحكم.
وأنبه على أن القصد المكروه الذي ذكره قاضي خان وتبعه فيه ابن نجيم هو أن يقصد بفعله نشر الخمر وشيوعه بين الناس لا أن يكون قصده من بيع العصير هو تحصيل الربح فحسب مع علمه بأن الذي يشتريه منه يتخذ منه الخمر؛ إذ قال قاضي خان: وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره. والله أعلم