التلقيح شرح التنقيح - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
التلقيح شرح التنقيح
وأما في السعي بين الصفا والمروة فوجب الترتيب بقوله - صلى الله عليه وسلم - ابدؤوا بما بدأ الله لا بالقرآن فإن كونهما من الشعائر لا يحتمله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عن الشافعي ونسب إلى أبي حنيفة. واستدل على ذلك بوجوه: الأول: النقل عن أئمة اللغة حتى ذكر أبو علي أنه مجمع عليه. وقد نص عليه سيبويه في مواضع من كتابه. الثاني استقراء موارد استعمالها فإنا نجدها مستعملة في مواضع لا يصح فيها الترتيب أو المقارنة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا دليل على الترتيب أو المقارنة حتى يكون ذلك معدولاً عن الأصل، وذلك مثل «تشارك زيد وعمرو» و «اختصم بكر وخالد» و «المال بين زيد وعمرو» و «سيان قيامك وقعودك» و «جاءني زيد وعمرو وقبله أو بعده». الثالث أنهم ذكروا أن الواو بين الاسمين المختلفين بمنزلة الألف بين الاسمين المتحدين، فكما لا دلالة لمثل «جاءني رجلان على مقارنة أو ترتيب إجماعاً فكذا جاءني رجل وامرأة» إلا أن في قولهم «الألف بين الاسمين المتحدين» تسامحاً.
الرابع أن قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن معناه النهي عن الجمع بينهما حتى لو شرب اللبن بعد أكل السمك جاز، وتحقيقه أنه نصب «تشرب بإضمار «أن» فيكون في معنى مصدر معطوف على مصدر مأخوذ من مضمون الجملة السابقة أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، فلو كان الواو للترتيب لما صح في هذا المقام كما لا تصح الفاء، وثم لإفادتهما النهي عن الشرب بعد الأكل لا متقدماً ولا مقارناً. ولا يخفى أن هذا الاستدلال لا ينفي المقارنة إلا أن المقصود الأهم نفي الترتيب.
قوله: وأما في السعي استدل على كون الواو للترتيب بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} [البقرة: 15] قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأيهما نبدأ؟ فقال: ابدؤوا بما بدأ به. فهم النبي منه الترتيب فأمرهم به.
والجواب: إنا لا نسلم ثبوت وجوب الترتيب بالآية، وفهم النبي ذلك منها، بل ثبت ذلك لنا بالحديث المذكور وللنبي بما لاح له من وحي غير متلو وذلك لأن الحكم في الآية هو كونها من شعائر الله وهذا لا يحتمل الترتيب إذ لا معنى لتقدم أحدهما على الآخر في ذلك. فإن قلت: من أين ثبت أصل وجوب السعي؟ قلت: من قوله: اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي». وقد يقال: إن قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] في معنى فعليه أن يطوف بهما» إلا أنه ذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عن الشافعي ونسب إلى أبي حنيفة. واستدل على ذلك بوجوه: الأول: النقل عن أئمة اللغة حتى ذكر أبو علي أنه مجمع عليه. وقد نص عليه سيبويه في مواضع من كتابه. الثاني استقراء موارد استعمالها فإنا نجدها مستعملة في مواضع لا يصح فيها الترتيب أو المقارنة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا دليل على الترتيب أو المقارنة حتى يكون ذلك معدولاً عن الأصل، وذلك مثل «تشارك زيد وعمرو» و «اختصم بكر وخالد» و «المال بين زيد وعمرو» و «سيان قيامك وقعودك» و «جاءني زيد وعمرو وقبله أو بعده». الثالث أنهم ذكروا أن الواو بين الاسمين المختلفين بمنزلة الألف بين الاسمين المتحدين، فكما لا دلالة لمثل «جاءني رجلان على مقارنة أو ترتيب إجماعاً فكذا جاءني رجل وامرأة» إلا أن في قولهم «الألف بين الاسمين المتحدين» تسامحاً.
الرابع أن قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن معناه النهي عن الجمع بينهما حتى لو شرب اللبن بعد أكل السمك جاز، وتحقيقه أنه نصب «تشرب بإضمار «أن» فيكون في معنى مصدر معطوف على مصدر مأخوذ من مضمون الجملة السابقة أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، فلو كان الواو للترتيب لما صح في هذا المقام كما لا تصح الفاء، وثم لإفادتهما النهي عن الشرب بعد الأكل لا متقدماً ولا مقارناً. ولا يخفى أن هذا الاستدلال لا ينفي المقارنة إلا أن المقصود الأهم نفي الترتيب.
قوله: وأما في السعي استدل على كون الواو للترتيب بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ} [البقرة: 15] قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأيهما نبدأ؟ فقال: ابدؤوا بما بدأ به. فهم النبي منه الترتيب فأمرهم به.
والجواب: إنا لا نسلم ثبوت وجوب الترتيب بالآية، وفهم النبي ذلك منها، بل ثبت ذلك لنا بالحديث المذكور وللنبي بما لاح له من وحي غير متلو وذلك لأن الحكم في الآية هو كونها من شعائر الله وهذا لا يحتمل الترتيب إذ لا معنى لتقدم أحدهما على الآخر في ذلك. فإن قلت: من أين ثبت أصل وجوب السعي؟ قلت: من قوله: اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي». وقد يقال: إن قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] في معنى فعليه أن يطوف بهما» إلا أنه ذكر