اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

السياسة الراشدة في الدولة الماجدة

صلاح أبو الحاج
السياسة الراشدة في الدولة الماجدة - صلاح أبو الحاج

المبحثُ الخامس ركائز الحكم الرشيد

في هذا، فإنّ التَّكليفَ مشروطٌ بالإمكان، وإذا جازَ نصبُ الشُّهودِ فسقةً؛ لأجل عمومِ الفساد جازَ التَّوسُّعُ في أحكام السِّياسة؛ لأجل كثرةِ فساد الزَّمانِ وأهلِه، وقد قال عمرُ ابنُ عبد العزيز (¬1): «ستحدث للنَّاس أقضيةٌ بقدر ما أحدثوا من الفُجُور» (¬2).
قال القَرَافِيُّ صاحب «الذَّخيرة المالكية»: «ولا شكَّ أنّ قضاةَ زماننا وشهودَهم وولاتَهم وأمناءَهم لو كانوا في العصر الأول لما اعتمدوا في أمر دينهم عليهم؛ لأنّ هؤلاء في مثل ذلك العصر فُسُوقٌ، فإنّ خيارَ زماننا أراذلُ ذلك الزَّمان، وولاةُ أراذل ذلك الزَّمان فُسُوقٌ، فقد حَسُنَ ما كان قبيحاً، واتَّسع ما كان ضيِّقاً، واختلفت الأحكامُ باختلاف الزَّمان» (¬3).
والخامس: أنه يُعَضِّدُ ذلك من القواعد الشَّرعيّة: أنّ الشَّرعَ وسَّعَ للمرضع في النَّجاسة اللاحقة بها من الصَّغير ما لم تشاهده: كثوب الإرضاع، ووسَّع في زمانِ المطر في طينِ المطر، كما ذكرَه محمَّدٌ (في طين بُخارا (¬4) مع ما فيه من القَذَر والنَّجاسة، ووسَّع لأصحاب القُرُوح في كثيرٍ من نجاستها، ووسَّع لأصحاب البواسير في بَلَلِها، وجَوَّزَ الشَّارعُ تركَ أركان الصَّلاة وشروطها إذا ضاقَ الحالُ: كصلاة الخوفِ ونحوها، وذلك كثيرٌ في الشَّرع؛ ولذلك قال الشَّافعيُّ: «ما ضاق الشَّيءُ إلاّ اتَّسع» (¬5).
¬__________
(¬1) وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعدَّ مع الخلفاء الراشدين، مات سنة إحدى ومئة. وله أربعون سنة، ومدَّة خلافته سنتان ونصف. ينظر: التقريب ص353.
(¬2) نسبه لعمر بن عبد العزيز في المنتقى شرح الموطأ 6: 140، والمرقبة العليا ص207، ونسبه لمالك في فتح الباري13: 144، وشرح البخاري لابن بطال8: 232، وإرشاد الساري10: 234.
(¬3) انتهى من الذخيرة للقرافي 10: 46.
(¬4) المشهور عن محمّد أنه قال هذا في طين الري لا طين بخارا عندما ولي القضاء فيها كما في كتب المذهب المعتمدة. ينظر: المبسوط1: 161، والبدائع1: 81، ورد المحتار1: 321، وغيرها.
(¬5) هذه قاعدة فقهية مشهورة جدا، ذكرها في الأشباه ص89، والبحر6: 8، والدر المختار4: 556، والنهر الفائق3: 368، وغيرها بلفظ: «ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه».
المجلد
العرض
85%
تسللي / 395