اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

المحرر الوجيز فيما يبتغية المستجيز

محمد زاهد الكوثري
المحرر الوجيز فيما يبتغية المستجيز - محمد زاهد الكوثري

التحير الوجيز فيما يبتغية المستجيز

لكنَّ استعماله الدائم للنظارة السوداء إنما كان لضعف في بصره طارىء، وقد سمعنا من الشيوخ أنه لم يكن يلبسها قديماً.
وكان في جوار جامع السلطان سليم مطعم «خيري» لكل وارد، معروف بعمارة السلطان سليم، يرتاده فقراء الطلبة خاصةً، يَحتَسُون فيه حساء مع دفع رغيف لكل واحد منهم، بعد صلاة الصبح كل يوم، ولما عَلِمَ صاحب الترجمة أنَّ هناك كثيراً من الطلبة الفقراء يأبَوْنَ ارتياده، ضَناً بكرامتهم عن الوقوف موقف البائس الفقير بدأ يمر بعد صلاة الصبح بالمطعم المذكور، ويَأْخُذُ حَساءً ورغيفاً، ويَقعُدُ القرفصاء، فيحتسي الحساء ويأكلُ الرغيف. ولمَّا عَلِمَ فقراء الطلبة الأباة ذلك، بدأوا يزدحمون في المطعم، ولا يأبون الحضور بعد حضورِ مثلِهِ في جاهِهِ ومنزلته في قلوب الأمة، ومن الذي يستطيعُ؟ من أمثالِهِ في الجاءِ والمنزلة أن يُوقِفَ نَفْسَهُ في مثل هذا الموقف، للتفريج عن قلوبِ فقراء الطلبة.
ومن عادة الطلبة أن يزوروا أستاذهم لأجل التوديع عند تعطيل [31] الدروس، في آخرِ السنة قبل سفرهم إلى بلادهم، لقضاء أيام العطلة بها، فحضر عند الأستاذ الكبير أحَدُ تلاميذه من كبار علماء الألبان لمثل هذه المناسبة، فبعد أن أسدَى إليه الأستاذ كلمات نصح، قام وأخَذَ من الرف عُلْبَةَ مُوسَى جديدة فناولها إياه قائلاً: إنها هدية لك، فكاد التلميذُ أن يُغمى عليه من وقع هذه الهدية حيث كان يعلم من نفسِهِ أنه كان جاوَزَ حَدَّ السُّنَّةِ في إزالة الشعر، كما حكى جماعة من ثقاتِ زملاء هذا التلميذ عنه
وأستاذنا الألصُوني كان يُقرِّرُ يوماً أن الأصل في الأشياء الطهارة، وبعد أن توسع في بيان ذلك، قال لكنَّ الوَرِعِينَ لهم شأن فيما يُستورَدُ من بلاد الشرك، وقد سَبَقَ أن غسلتُ للأستاذ الكبير جُوخاً فاخراً، مُعَدًا لخياطة جُبَّةٍ له بأمره قبلَ إيصاله إلى الخياط، حيث كان مستورداً من تلك البلاد، وكان يخشى من أهل بيته أن يَستَجْمِدُوهُ لو أمَرَهم بغسله، وكان يأتمن شيخنا أنه لا يُذيعُ الخبر، وقد تكرر ذلك منه ثلاث مرات إزاء أستاذنا.
ومن النكتِ الطريفة أنه كان وجّه إليه قضاءُ مصر في أواخر عمره، فأناب غيرَهُ، مَنابَه، فأَخَذَ الناس يتحدثون عن ذلك، ثم غير الأستاذ شيبه بالحِنَّاء، فسأله سائل لماذا غيّر شيبه بعد أن بَلَغَ من الكِبَر عِتِيّاً؟ فجاوَبَهُ الأستاذ الكبير قائلاً: إني أحببتُ أن أشغل الناس بلحيتي مدةً، حيث طال
المجلد
العرض
69%
تسللي / 54