المنهاج الوجيز في فقه الاختلاف وأسبابه - صلاح أبو الحاج
المبحث الثالث الاجتهاد والتقليد و الترجيح
* ثانياً: بناء المذاهب المقلّدة:
إنَّ لكلِّ مذهبٍ كيفيّة وهيئة بني عليها، مَن لم يراعها يصعب عليه فهم بناء المذهب، ويبقى في تخبّط شديدٍ في التّعامل مع مسائله.
وفي هذا المقام يصعب علينا الإحاطة في الكلام عن كافّة المذاهب، فنقتصر في التمثيل على المذهب الحنفيّ، حيث إنَّه مذهبٌ مدرسيٌّ في البناء: كالمذهب المالكيّ، وأقصد أنَّهم كانوا يعتمدون طريقة مختلفة في الوصول إلى ما كان عليه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل عن طريق المحدّثين، فهناك نقل متوارث وصل إلى أبي حنيفة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يبيّن ما هو الأثبت في أحوال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهذا النّقل كان من كبار الصّحابة - رضي الله عنهم - الذي لازموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انتقلوا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - إلى الكوفة، وعلى رأسهم سيّدنا ابن مسعود وعليّ - رضي الله عنهم -، ومنهم تلقّى طبقة كبار التّابعين وعنهم أخذ أبو حنيفة.
فلهم طريقٌ يوصلهم إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق (التّواتر الطّبقيّ) أو (التّوارث المدرسيّ)، وهو أقوى من نقل الآحاد الذي يتعامل به المحدِّثون، وهو ما يُعبِّر عنه الإمام مالك بـ (عمل أهل المدينة) ويُقدِّمه على حديث الآحاد، ويقول: «العمل أثبت من الحديث» (¬1)؛ لأنَّه يروى طبقة عن طبقة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
فقد اقتضت الحاجة من الصَّحابة - رضي الله عنهم - في تعليم الإسلام أن ينتقل المجتهدون منهم إلى البلاد المفتوحة؛ ليعلّموا الإسلام وينشروه بالهيئة التي تلقّوه بها، فكان أبو الدرداء ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - في الشام، وأبو موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - في البصرة،
¬__________
(¬1) ينظر: أثر الحديث الشريف ص63.
إنَّ لكلِّ مذهبٍ كيفيّة وهيئة بني عليها، مَن لم يراعها يصعب عليه فهم بناء المذهب، ويبقى في تخبّط شديدٍ في التّعامل مع مسائله.
وفي هذا المقام يصعب علينا الإحاطة في الكلام عن كافّة المذاهب، فنقتصر في التمثيل على المذهب الحنفيّ، حيث إنَّه مذهبٌ مدرسيٌّ في البناء: كالمذهب المالكيّ، وأقصد أنَّهم كانوا يعتمدون طريقة مختلفة في الوصول إلى ما كان عليه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل عن طريق المحدّثين، فهناك نقل متوارث وصل إلى أبي حنيفة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يبيّن ما هو الأثبت في أحوال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهذا النّقل كان من كبار الصّحابة - رضي الله عنهم - الذي لازموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انتقلوا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - إلى الكوفة، وعلى رأسهم سيّدنا ابن مسعود وعليّ - رضي الله عنهم -، ومنهم تلقّى طبقة كبار التّابعين وعنهم أخذ أبو حنيفة.
فلهم طريقٌ يوصلهم إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق (التّواتر الطّبقيّ) أو (التّوارث المدرسيّ)، وهو أقوى من نقل الآحاد الذي يتعامل به المحدِّثون، وهو ما يُعبِّر عنه الإمام مالك بـ (عمل أهل المدينة) ويُقدِّمه على حديث الآحاد، ويقول: «العمل أثبت من الحديث» (¬1)؛ لأنَّه يروى طبقة عن طبقة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
فقد اقتضت الحاجة من الصَّحابة - رضي الله عنهم - في تعليم الإسلام أن ينتقل المجتهدون منهم إلى البلاد المفتوحة؛ ليعلّموا الإسلام وينشروه بالهيئة التي تلقّوه بها، فكان أبو الدرداء ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - في الشام، وأبو موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - في البصرة،
¬__________
(¬1) ينظر: أثر الحديث الشريف ص63.