بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب
والمغرب، نعم تكون مختلفة بالجنوب والشمال، والتيامن، والتياسر، فتكون القبلة للبلاد الجنوبية من مكة في شمالها، ما بين المشرق والمغرب، وللبلاد الشمالية من مكة في جنوبها، ما بين المشرق والمغرب، فكل ربع من أرباع الدائرة، لا يخلو من أن تكون فيه القبلة لبلد، ويصدق على كل ربع أنه ما بين المشرق والمغرب، فلأهل المشرق الشمالي من مكة قبلة فيما بين المشرق والمغرب في الربع الغربي الجنوبي، ولأهل المغرب الشمالي منها قبلة ما بين المشرق والمغرب في الربع الشرقي الجنوبي، وهكذا يختلف السمت والجهة، فإن الكعبة من البلاد المعمورة كالكرة من الدائرة، فالأقطار كلها في استقبال الكعبة محيطة بها كإحاطة الدائرة بمركزها، فلفظ "ما بين المشرق والمغرب لأهل المشرق" أو لأهل العراق، يكون بيانًا للبقعة الخاصة التي انسحب عليها عموم الحديث النبوي، فهذا الخاص، يكون فردًا من أفراد العام، وجميع ما يندرج فيه، يكون ما صدقات لمدلول الحديث، فهذا من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم بحيث بين قبلة أهل المدينة بلفظ يحوي قبلة جميع بقاع الأرض بعموم نظمه، ولعل هذا مراد من حمل الحديث على العموم، وقد تقرر في أصول الفقه: أن التنصيص لا يدل على التخصيص بل التصريح باسمه العلم على الشيء لا يدل على نفي ما عداه، فليس المفهوم المخالف معتبرًا في أحد من القيدين لا في قوله "لأهل المدينة"، ولا في قوله "لأهل المشرق"، فمن زاد فيه "لأهل المشرق"، فمراده أن ذلك لأهل المشرق الشمالي أيضًا قبلة، كما هي لأهل المدينة، وما اتصل بها وحاذاها من بلاد الشام، ومن عامة صنيع الصحابة رضي الله عنهم أنهم يقولون بأن الآية نزلت في كذا وكذا، والحال أن نزولها يكون في واحد من الأمرين، ولذلك نظائر وشواهد ليس هذا موضع بيانها، فمن غفل هنا عن هذا السر حمل أمثال ذلك على التعارض، ولا تكون هنا شائبة التعارض، أفادنا الشيخ إمام العصر مولانا الشاه محمد أنور الكشميري -قدس سره- في بعض دروس صحيح البخاري، هذه النكتة النافعة المهمة، فلعل ذلك أيضًا من هذا القبيل، ومن غفل عن عادة الصحابة رضي الله عنهم هذه حكم بالوهم، وهو نفسه في الوهم، فالمخطيء خاطئ، ولذلك قال الإمام أبو بكر بن العربي في شرح الحديث، وبيان فقهه: