بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب
وعند ذلك يرتفع الاضطراب، وكيف ماكان فأورث ضعفًا في حفظ الرواة، وشبهة في ضبطهم، وقلقًا في تعيين المراد، فهذه ستة وجوه تفيد ثلج اليقين، وبلج الجبين، بأن تلك الزيادة غير معروفة، بل غير ثابتة عند عامة المحدثين الراسخين، فتكون لا محالة مدرجة من بعض رواة سلسلة الإسناد ظنًا منه بأن المذكور في الحديث قبلة أهل الشرق، فظنها الناظرون أنها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا، والله أعلم.
وقد قال الإمام أبوبكر بن العربي في كتابه "عارضة الأحوذي" في شرح الحديث، روى مالك عن نافع عن عمر بن الخطاب مثله في الموطأ في مادة "إذا توجه قبل البيت"، وقد ذكر أبو عيسى عن ابن عمر أنه قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وهذه الزيادة التي قررها عمر، وابن عمر، مضمنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة، فلا وجه أسقطها الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنها مرادة قطعًا، وقد عضد حديث أبي هريرة هذا حديث أبي أيوب في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولابول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، فبين أن ما بين المشرق والمغرب قبلة اهـ.
يريد - رحمه الله - أن الحديث بين قبلة أهل المدينة، فلا محالة يكون تصويره كما في رواية عمر وابن عمر، فانه لا ينطبق على قبلتهم، من دون هذا التفصيل، ولعل الراوي أسقطه لشدة وضوحه، وتعين مراد الحديث ولا وجه لعدم إرادته في سياق الحديث، فتلك الزيادة مرادة قطعا، وإنما الاختصار من الراوي الوضوح المراد، وعدم الخفاء في المحمل، هذا، ولعل في النسخة سقطا غير أن المقصود واضح لاخفاء فيه، والله أعلم.
ثم أقول على المسلك الثاني: الحديث مع أنه نص في قبلة أهل المدينة وما والاها من البقاع، ولكنه بظاهر لفظه عام، فلما أنعمنا النظر في الحديث ونظرنا إلى سائر أقطار الأرض، ثم إلى وقوع الكعبة عنها - زادها الله مجدا- وجدنا أن الحديث ينطبق على قبلة جميع الأقطار، فإن مدلول "ما بين المشرق والمغرب" ينسحب على كلام طرفي دائرة الجنوبي والشمالي، فما من بقعة من البقاع إلا وقبلته تكون مابين المشرق
وقد قال الإمام أبوبكر بن العربي في كتابه "عارضة الأحوذي" في شرح الحديث، روى مالك عن نافع عن عمر بن الخطاب مثله في الموطأ في مادة "إذا توجه قبل البيت"، وقد ذكر أبو عيسى عن ابن عمر أنه قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وهذه الزيادة التي قررها عمر، وابن عمر، مضمنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة، فلا وجه أسقطها الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنها مرادة قطعًا، وقد عضد حديث أبي هريرة هذا حديث أبي أيوب في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولابول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، فبين أن ما بين المشرق والمغرب قبلة اهـ.
يريد - رحمه الله - أن الحديث بين قبلة أهل المدينة، فلا محالة يكون تصويره كما في رواية عمر وابن عمر، فانه لا ينطبق على قبلتهم، من دون هذا التفصيل، ولعل الراوي أسقطه لشدة وضوحه، وتعين مراد الحديث ولا وجه لعدم إرادته في سياق الحديث، فتلك الزيادة مرادة قطعا، وإنما الاختصار من الراوي الوضوح المراد، وعدم الخفاء في المحمل، هذا، ولعل في النسخة سقطا غير أن المقصود واضح لاخفاء فيه، والله أعلم.
ثم أقول على المسلك الثاني: الحديث مع أنه نص في قبلة أهل المدينة وما والاها من البقاع، ولكنه بظاهر لفظه عام، فلما أنعمنا النظر في الحديث ونظرنا إلى سائر أقطار الأرض، ثم إلى وقوع الكعبة عنها - زادها الله مجدا- وجدنا أن الحديث ينطبق على قبلة جميع الأقطار، فإن مدلول "ما بين المشرق والمغرب" ينسحب على كلام طرفي دائرة الجنوبي والشمالي، فما من بقعة من البقاع إلا وقبلته تكون مابين المشرق