بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب
الثالثة والعشرين من عمري، فأنى تدرب الفكرة وغور التفكير ونضج التحقيق، ما يحتاج إليه أمثال هذه المواضيع التي لا تخلو عن صعوبة ودقة، وأضف إلى ذلك عدم تيسر الكتب التي تستنير منها أرجاؤها القاتمة، وكانت طويتي ترقب ذلك الحين السعيد، وترتجي ابتهاجا، وكانت نفسي تتمنى به ودعواته المباركة الطيبة، رجاء أن تهب على نسمات من قبوله، ولكن يا للأسف، ماكل ما يتمنى المرء يدركه، ماكنت أدري أن القدر المبرم لم يقدر لي ذلك الابتهاج، وتلك الفرصة المغتنمة، التي طالما يودها القلب ويتمناها. وماكنت أدري أن القضاء الإلهي قيض لي بدل ذلك الحبور، ألما بفراق الشيخ قبل تبييض الرسالة ألما يتقطع له قلبي ويتفتت له كبدي، ألما لا تكاد تقاوم نفسي الجلدة حملته الشعواء، ألما تنبثق منه جفوني دموعا سخينة بل دما نجيعًا، وتذوب نفسي منه حسرات، ياللحزن الفادح، وياللرزيئة والفجيعة، عزيز على نفسي أن تنعى إمامها وشيخها، الذي اكتست حلل الحياة، وحلي النورمن مواهب رشحاته، وعزيز على قلمي أن ينعى إلى العالم إمام العصر الذي انفجرت عيون ثرة من علومه برهة من الدهر، ثم تغيض ولا تندي بقطرة من ماء.
سبحان الله الكبير، طويت تلك الروح القدسية والنفس الزكية إلى عالم الغيب، كبرق يطوي في مكامن السحب المتراكمة، يا للرزء الجليل والخطب الفادح، ذهب المثل الأسمى لعلوم الشريعة والغاية القصوى من التحقيقات الرصينة التي طالما بقيت العقول فيها حيارى لا تهتدي إلى سبيل.
فارقت عنا تلك الشخصية الوحيدة في غرائرها وملكاتها من الورع والتقوى والزهد والكفاف والصبر والرضاء، ذلك المثل الصحيح والمثال الحي لشمائل القدماء البارعين في سعة العلم ودقة النظر والحافظة الخارقة في القرن الحاضر، ذلك المثال الكامل للوقار والرزانة والمتانة والرصانة، ذلك المنال الصادق لأولياء الله الصفوة من عباده في صدق اللهجة والعفة والحياء وخشية الله جل ذكره.
فلم يكن موته أمرًا هينا، بل كان أمرًا جللا وخطبًا أدهى، ثلمة في العلم ومآثر المجد والكمال، لا يرجى سدادها
سبحان الله الكبير، طويت تلك الروح القدسية والنفس الزكية إلى عالم الغيب، كبرق يطوي في مكامن السحب المتراكمة، يا للرزء الجليل والخطب الفادح، ذهب المثل الأسمى لعلوم الشريعة والغاية القصوى من التحقيقات الرصينة التي طالما بقيت العقول فيها حيارى لا تهتدي إلى سبيل.
فارقت عنا تلك الشخصية الوحيدة في غرائرها وملكاتها من الورع والتقوى والزهد والكفاف والصبر والرضاء، ذلك المثل الصحيح والمثال الحي لشمائل القدماء البارعين في سعة العلم ودقة النظر والحافظة الخارقة في القرن الحاضر، ذلك المثال الكامل للوقار والرزانة والمتانة والرصانة، ذلك المنال الصادق لأولياء الله الصفوة من عباده في صدق اللهجة والعفة والحياء وخشية الله جل ذكره.
فلم يكن موته أمرًا هينا، بل كان أمرًا جللا وخطبًا أدهى، ثلمة في العلم ومآثر المجد والكمال، لا يرجى سدادها