بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب - لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب
تأملت وجدت هذا الحديث يختص بأهل الشام، والمدينة، وما على سمت تلك البلاد شمالًا وجنوبًا فقط، والدليل عليه أنه يلزم من حمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة في بعض الأقطار، والله سبحانه وتعالى قد افترض على الكافة أن يتوجهوا إلى الكعبة في الصلاة حيث ماكانوا بقوله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، وقد عرفت إن كنت تمهرت في معرفة البلدان، وحدود الأقاليم، أن الناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة، فإن جهة قبلة صلاته إلى المشرق، ومن كان في الجهة الشرقية من الكعبة فجهة قبلته إلى المغرب، إلى أن قال: فقد ظهر ما يلزم من القول به بعموم هذا الحديث من خروج أهل المشرق الساكنين به، وأهل المغرب أيضًا عن التوجه إلى الكعبة في الصلاة عينًا وجهةً، لأن من كان مسكنه من البلاد ماهو في أقصى المشرق من الكعبة لو جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه لكان إنما يستقبل حينئذ جنوب أرضه ولم يستقبل قط عين الكعبة ولاجهتها، فوجب ولا بد حمل الحديث على أنه خاص بأهل المدينة والشام وما على سمت ذلك من البلاد، بدليل أن المدينة النبوية واقعة بين مكة وبين أوسط الشام على خط مستقيم بحيث لو خرج خط من كعبة، ومر على استقامة إلى المدينة النبوية لنفذ منها إلى أوسط جهة الشام سواء، وكذلك لو خرج خط من مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوجه على استقامة، لوقع فيما بين الميزان من الكعبة وبين الركن الشامي، ثم استدل بعد تفصيل في المقام بحديث ابن عمر قال: رقيت على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة، وبحديث آخر لابن عمر: بينا الناس في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستدار إلى الكعبة فقال: فهذا - أعزك الله - أوضح دليل على أن المدينة بين مكة والشام على حد واحد، وأنها في أوسط جهة بلاد الشام فمن استقبل بالمدينة الكعبة، فقد استقبل الشام، ثم قال بعد بيان: فهذا أوضح استدلال على أن الحديث خاص بأهل المدينة، وما على سمتها من البلاد الشامية وماوراءها من البلدان المسامتة لها، انتهى