اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مدارج السالكين - ط الكتاب العربي

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
مدارج السالكين - ط الكتاب العربي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
مِنَ الْغِيبَةِ، فَيُبَدِّلَ غِيبَتَهُ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِ، وَقَذْفَهُ بِذِكْرِ عِفَّتِهِ وَإِحْصَانِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ بِقَدْرِ مَا اغْتَابَهُ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِنَا أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ إِعْلَامَهُ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا أَذًى وَحَنَقًا وَغَمًّا، وَقَدْ كَانَ مُسْتَرِيحًا قَبْلَ سَمَاعِهِ، فَإِذَا سَمِعَهُ رُبَّمَا لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَمْلِهِ، وَأَوْرَثَتْهُ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّ الَّذِي يُؤْذِيكَ مِنْهُ سَمَاعُهُ ... وَإِنَّ الَّذِي قَالُوا وَرَاءَكَ لَمْ يُقَلْ
وَمَا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّ الشَّارِعَ لَا يُبِيحُهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجِبَهُ وَيَأْمُرَ بِهِ.
قَالُوا: وَرُبَّمَا كَانَ إِعْلَامُهُ بِهِ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَائِلِ، فَلَا يَصْفُو لَهُ أَبَدًا، وَيُورِثُهُ عِلْمُهُ بِهِ عَدَاوَةً وَبَغْضَاءَ مُوَلِّدَةً لِشَرٍّ أَكْبَرَ مِنْ شَرِّ الْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ، وَهَذَا ضِدُّ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاطُفِ وَالتَّحَابُبِ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَجِنَايَاتِ الْأَبْدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ إِخْفَاؤُهَا عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَحْضُ حَقِّهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَنْفَعُهُ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ إِلَّا إِضْرَارُهُ وَتَهْيِيجُهُ فَقَطْ، فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَعْلَمَهُ بِهَا لَمْ تُؤْذِهِ، وَلَمْ تُهِجْ مِنْهُ غَضَبًا وَلَا عَدَاوَةً، بَلْ رُبَّمَا سَرَّهُ ذَلِكَ وَفَرِحَ بِهِ، بِخِلَافِ إِعْلَامِهِ بِمَا مَزَّقَ بِهِ عِرْضَهُ طُولَ عُمُرِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، مِنْ أَنْوَاعِ الْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ وَالْهَجْوِ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْقَوْلَيْنِ كَمَا رَأَيْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ فَهَلْ يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الذَّنْبِ مِنَ الدَّرَجَةِ الَّتِي حَطَّهُ عَنْهَا الذَّنْبُ، أَوْ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا؟ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَرْجِعُ إِلَى دَرَجَتِهِ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ الذَّنْبَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَتُصَيِّرُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمُقْتَضِي لِدَرَجَتِهِ مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَعَادَ إِلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ.
قَالُوا: لِأَنَّ التَّوْبَةَ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ، فَإِذَا كَانَ ذَنْبُهُ قَدْ حَطَّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، فَحَسَنَتُهُ بِالتَّوْبَةِ رَقَّتْهُ إِلَيْهَا، وَهَذَا كَمَنْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ، وَلَهُ صَاحِبٌ شَفِيقٌ، أَدْلَى إِلَيْهِ حَبْلًا
301
المجلد
العرض
52%
الصفحة
301
(تسللي: 275)